الأثنين. يونيو 17th, 2024

جغرافيا، أصبح  مشروع “ميناء مدينة تشابهار الإيرانية”، والذي أطلق عليه اسم “البوابة الذهبية” لأفغانستان وآسيا الوسطى، مركزًا تجاريًّا عالميًّا وقطبا سياحيا تاريخيا وساحة للمنافسة الجيوسياسية بين القوى الإقليمية والدولية بفضل موقعه المعروف تاريخيا “ببوابة فارس”.

فمن منظور دبلوماسي محظ، ساهم الميناء في إعادة تشبيك العلاقات الهندية الإيرانية، من جهة والعلاقات الصينية الباكستانية المتنامية. لقد تحولت المنطقة برمتها الى منطقة تنافس للوصول إلى الموارد الطبيعية الحيوية وطرق الشحن.

الميناء عزز بدوره شراكات اقتصادية جديدة بما يضيفه من مزايا للممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب (INSTC) لأنه الميناء الوحيد في الجمهورية الإسلامية الذي يتمتع بوصول مباشر إلى المحيط الهندي، كما يعد المسار الشرقي لـ INSTC مهمًا للغاية لأنه يربط الجزء الشرقي والمناطق الوسطى من روسيا عبر كازاخستان وتركمانستان إلى الموانئ الجنوبية لإيران وأيضًا الهند والدول العربية على الحافة الجنوبية للخليج الفارسي مما يختصر المسافة والوقت ويخفض تكلفة النقل أيضًا.

كما أن “تشابهار” هو المنطقة الإيرانية الوحيدة المستثناة من العقوبات الاقتصادية الامريكية، وبالتالي لديه القدرة على تحويل التجارة في جنوب آسيا ووسطها، وسيسهل طرق التجارة البرية المرتبطة بالميناء وصولاً أكبر من الهند نحو  أسواق أفغانستان ودول أسيا وآسيا الوسطى كلها بما لديه من طرق بحرية وسكك حديدية وبرية بين الهند وروسيا وإيران وأوروبا.

لأول مرة  منذعام 1973 اقترح “شاه إيران” مشروع ميناء تشابهار. حيث ً افتتحت السلطات الإيرانية المرحلة الأولى من الميناء في عام 1983 خلال الحرب مع العراق بهدف تقليل الاعتماد على الموانئ الإيرانية في الخليج، والتي كانت عرضة للهجوم من طرف سلاح الجو العراقي. ثم عرض الرئيس الإيراني “محمد خاتمي” خلال زيارته إلى الهند عام 2003 تطوير وتشغيل رصيفين في ميناء تشابهار وفق نظام التشييد والتشغيل ونقل الملكية لكن أدت العقوبات الغربية على إيران إلى تعثر تنفيذ المشروع.

وفي عام 2016 وُقعت مذكرة تفاهم لتطوير محطتين وخمسة أرصفة في ميناء تشابهار، وقدمت الهند خط ائتمان بقيمة 150 مليون دولار، وذلك ضمن اتفاق ثلاثي بين الهند وإيران وأفغانستان لإنشاء طريق عبور ونقل استراتيجي يربط بين الدول الثلاث.

وفي عام 2017، افتُتحت المرحلة الأولى من توسعة ميناء تشابهار وشملت زيادة الطاقة الاستيعابية للرصيف الأول بالميناء من 2.5 مليون طن سنوياً إلى 8.5 مليون طن فيما من المفترض وصول طاقة الميناء الاستيعابية مستقبلاً إلى 86 مليون طن.

واكتسب “مشروع تشابهار “زخماً  غير مسبوق عقب توقيع الاتفاق النووي في عام 2015، وبدأت طهران مفاوضات مع شركات هندية وروسية وأوروبية لتوريد معدات وآلات رفع إلى الميناء، وهو ما تزامن مع احتلال إيران للمركز الثاني في قائمة توريد النفط للهند في عام 2017.

هذا الميناء الذي ذاع سيطه لتصل أصقاع أوروبا والغرف المظلمة للبيت الابيض من خلال “عقد صفقة دولية تدر الثروات بين الدول المنضوية تحت الاتفاق الإيراني بما فيها الصين والهند  دون ان تكون واشنطن حاضرة”.

  منذ العام 2018 قررت واشنطن أتخاذ قرار عقابي ضد ايران حيث أعلن الرئيس الامريكي السابق “دونالد  ترامب “انسحاب أمريكا للاتفاق النووي، وإعادة فرض عقوبات أمريكية على إيران فأوقفت الهند وارداتها النفطية من إيران، كما ساهمت عوامل أخرى في عرقلة المشروع من قبيل العقبات الفنية والبيروقراطية على الجانبين الإيراني والهندي ومخاوف القطاع الخاص من الاستثمار في إيران، وانتشار جائحة كوفيد-19.

“تم إطلاق رحلة “ممر النقل الدولي شمال جنوب INSTC رسميًا، مع أول قطار يقوم بالرحلة في جوان 2022 على الحدود مع إيران وتركمانستان، تستمر الرحلة عبر إيران إلى بندر عباس حيث تنقل السفن البضائع إلى الهند و تسير 6 قطارات براً حالياً، من روسيا إلى الهند عبر تركمانستان وإيران.

تشير هذه القطارات إلى الاهتمام المتزايد بالنقل بالسكك الحديدية من “روسيا” إلى الهند، حيث بات لروسيا وجهات دولية  متعددة من ذلك الممر وصولا الى خليج عمان.

ألا أن روسيا وعلاقاتها بميناء تشابهار وقدراته العابرة والتجارية واستثمار روسيا في مشروع العبور هذا، أثار نقاطا واعتبارات تستحق الاهتمام:

1 ميناء تشابهار هو الميناء الإيراني الوحيد الذي يتمتع بوصول مباشر إلى المحيط الهندي وقد أطلق عليه اسم “البوابة الذهبية” لأفغانستان وآسيا الوسطى. لأنه أول “ميناء للمياه العميقة” في إيران.

في العقد الأخير، أدرجت إيران تطوير ميناء تشابهار في إطار “الخطة الخاصة لتنمية منطقة مكران” وتستند هذه الرؤية الى مخطط آفاق طويلة المدى: 2020 و2030 و2040.

 في هذا الإطار استثمرت إيران بكثافة في تطوير شواطئ مكران وميناء تشابهار وهو مزيج من البرامج الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والأمنية

وفي الحقيقة ليس هناك من معلومات مصرح بها لا من الجانب الروسي ولا الايراني بخصوص ذروة التعاون نظرا للتكتم الشديد من الجانبين.

و يبدو أن جهود إيران لتنفيذ مشروع عبور ميناء تشابهار، هي جزء من هدف البلاد طويل الأجل المتمثل في أن تصبح مركزًا عبورًا إقليميًا دفعها الى عقد صفقات روسية كبيرة بينما تريد ايران الحفاظ على ميزان علاقاتها مع كل الاطراف الاخرى بما فيها الصين والهند وافغانستان.

2 ازداد دور ومكان ميناء تشابهار عندما وقعت الهند وإيران وأفغانستان في 2016، اتفاقية ثلاثية تاريخية في طهران لتطوير ميناء تشابهار الإيراني الاستراتيجي كعقدة رئيسية في “ممر العبور والنقل” عبر أفغانستان.

وانضمت أوزبكستان مؤخرًا الى هذه الاتفاقية بصفتها الدولة المغلقة الوحيدة في آسيا الوسطى.

بعد اتفاقية العبور الثلاثية بين إيران والهند وأفغانستان، زادت سعة عبور ميناء تشابهار من 5 مليون طن إلى 8 ملايين طن سنويًا. في المرحلة الثانية من التطوير، ستزيد طاقة ميناء تشابهار إلى 33 مليون طن.

وفقًا لـ “Financial Tribune”، وهي صحيفة اقتصادية إيرانية إنجليزية في  2022، تعامل ميناء تشابهار مع 1.55 مليون طن من البضائع من السنة المالية الإيرانية 2022-23 بزيادة قدرها 33.8٪ مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي. وخلال هذه الفترة استورد ميناء تشابهار أكثر من 580 ألف طن من السكر والأرز والقمح الروسي وأعلاف الحيوانات، بزيادة قدرها 7.7٪ عن العام السابق على الرغم من وجود انقطاع قصير في هذه الاتفاقية بعد وصول طالبان إلى السلطة في أفغانستان عام 2021، إلا أنه تم حل هذا التحدي تدريجيًا حيث تحاول الإمارة الإسلامية زيادة شرعيتها السياسية المحلية والدولية والوضع الاقتصادي لأفغانستان، من خلال مشاريع اقتصادية ونقل مثل مشروع عبور تشابهار وأصبحت طالبان وروسيا والهند أطراف ثابتة في السياسة الاقتصادية الإيرانية.

مكسب استراتيجي كبير لأفغانستان للوصول إلى المحيط الهندي عبر ميناء تشابهار والأسواق في جميع أنحاء العالم. كما  ستوفر للبلاد على المدى الطويل إمكانية الوصول إلى موارد الطاقة في آسيا الوسطى.

3 النقطة الثالثة ستركز على “المحور الهندي” وهو اخطر طرف في اللعبة أي مشروع تشابهار الدولي كيف ذلك ؟

4 استراتيجية الصين، في الواقع، تنظر الهند إلى مشروع عبور تشابهار كجزء من “إستراتيجية القلادة الماسية” ضد إستراتيجية “سلسلة اللؤلؤ” الصينية وأيضًا لتجاوز المنافس التقليدي أي باكستان، وخاصة لمواجهة الاستثمار الصيني الضخم في تطوير ميناء “جوادر الباكستاني”، وكذلك الممر الاقتصادي بين الصين وباكستان (CPEC) من هنا نفهم سياسة الهند.

وجهين لعملة واحدة ” أي الهند لوبي لأمريكا والهند حليف ثابت لإيران من الناحية الاقتصادية المحضة، وبذلك استمر إعفاء مشروع ترانزيت تشابهار من العقوبات الأمريكية الأحادية في إدارة جو بايدن، وهو ما يشكل “متنفساً حيوياً لإيران وكذلك روسيا”…، كدولتين تحت الحظر الاقتصادي والتجاري.

يمثل ميناء تشابهار الإيراني أهمية استراتيجية فهو يتيح لها الالتفاف على التطويق الصيني غرباً عبر “ميناء جوادر” الذي بنته الصين في باكستان ضمن مشروع الحزام-الطريق.

ويمثل ميناء تشابهار أيضاً بوابة الهند إلى آسيا الوسطى وأفغانستان والقوقاز وشرق أوروبا، حيث يتيح للهند الوصول براً إلى أفغانستان وآسيا الوسطى دون المرور بباكستان، خصم الهند التقليدي ما يعزز التواجد الهندي في بحر العرب في مواجهة الصين.

كما يساهم موقعه القريب لأفغانستان بنحو 800 كم عبر تضاريس أكثر سلاسة مقارنة بميناء كراتشي الباكستاني، في تقليل اعتماد كابول على إسلام أباد، ما يعزز العلاقات الهندية الأفغانية على حساب العلاقات الأفغانية الباكستانية المتوترة على خلفية النزاعات الحدودية طويلة الأمد بين الجانبين.

لذلك سعت الهند الى الاستحواذ على نصيب الأسد من المساهمات حيث وقعت شركة الموانئ الهندية العالمية المحدودة، وهيئة الموانئ والملاحة البحرية الإيرانية، عقداً مدته 10 سنوات لتشغيل “محطة الشهيد بهشتي” في ميناء تشابهار، تستثمر بموجبه الشركة الهندية 120 مليون دولار في تجهيز الميناء، فضلاً عن تقديم خط ائتمان بقيمة 250 مليون دولار لتدشين مشاريع تهدف إلى تحسين البنية التحتية المرتبطة بالميناء.

وبالنسبة لإيران مثل هذا الانجاز متنفساً للاقتصاد الإيراني الذي يعاني من العقوبات الأمريكية والغربية، كما يتيح جذب استثمارات ويوفر فرص عمل تساهم في كبح معدل البطالة ، وفي تدشين مشاريع تنموية وخدمية في بلوشستان التي تشهد تمرداً مسلحاً. كما يفتح الباب لإنشاء صناعات تحويلية وبتروكيماوية في تشابهار التي يتوفر بها الغاز الطبيعي في منافسة هندية  حيال الشركات الصينية والروسية المستثمرة في القطاعات الحيوية الإيرانية مثل النفط الخام والمنتجات البتروكيماوية.

تعي واشنطن جيدا ان هناك سياسة جديدة هي التعددية القطبية قد عملت على  إقناع دول آسيا الوسطى بالانتقال من العزلة، واتخاذ وضع إستراتيجي أكثر حضورًا وقوة فأمريكا غير راضية أبدا عن هذا المشروع او بالأحرى التحالفات الجيوسياسية الجديدة .

حيث سعت السياسة الأمريكية المتغطرسة الى بتر أي تحالف وتعطيل أي توافق من خلال توطين “سياسة اللوبي”  ففي الوقت الذي أعلن فيه السفير الهندي في طهران عن إنفاق 85 مليون دولار في تشابهار، تظهر التقارير الإيرانية ان 20 مليون دولار فقط هي المساهمة الهندية في المشروع

بالمقابل تسير الصين في خطى ثابتة حيث، أعلنت بكين استثمارها 46 مليار دولار في “جوادر الباكستانية”، وزادت فيما بعد تلك الاستثمارات إلى 54” مليار دولار”، ما يعد أكبر استثمار أجنبي في باكستان منذ استقلال البلاد، ويُقدر أنه سيخلق مليوني وظيفة بين عامي 2015 و2030، وزيادة النمو الاقتصادي لباكستان بنسبة 2.5 % سنويًّا، وللتغلب على هذا التحديات باتت ايران تستوعب ان عليها  جذب مستثمرين جدد- خاصة الصين- حيث يبدو أن طهران تأمل أن تتمكن من خلال مشاركة الصين واستثماراتها من تحديد مشروع عبور ميناء تشابهار بوصفه جزءًا من مشروع الحزام والطريق.

 ومن ناحية أخرى، مع دخول منافس الهند التقليدي “باكستان” قد يقود هذا المشروع إلى مزيد من الديناميكية والاستثمار.

By amine