الأثنين. أبريل 15th, 2024

هوية “داعش” باتت اليوم أكثر وضوحاً، وهي استكمال لتاريخ طويل من المساكنة والمصالح المشتركة بين الولايات المتحدة الأميركية وحركات الإسلام السياسي ذات الأجندات الغربية والفكر الإسلاموي البريطاني.

لم نعد نسمع كثيراً عن قضية الإيغور التي كثيراً ما كانت تطالعنا بها وسائل الإعلام العربية والدولية، وتروّج لها باعتبارها ورقة يمكن استخدامها لتشويه سمعة الحكومة الصينية، لابتزازها والضغط عليها.

والغريب في الأمر أن هذا الموضوع كان يثار بمنطق “التعميم”، بمعنى السعي للقول إن “الصين تعمل على اضطهاد المسلمين الموجودين فيها”، وهذا غير صحيح بكل تأكيد، خاصة وأن الإيغور ليسوا القومية المسلمة الوحيدة، حيث يوجد عشر قوميات مسلمة في الصين. 

عشر قوميات مسلمة، ولم نسمع إلا بالإيغور، وهو ما يؤكد لنا أولاً أن مبدأ التعميم ليس صحيحاً، فباقي القوميات المسلمة إذاً تمارس طقوسها وعبادتها ولم يحدث معها أيّ مشاكل.

 فالمشكلة لدى بعض الإيغور أن لديهم نزعة انفصالية تغذّيها قوى خارجية، وخاصة تركيا والولايات المتحدة الأميركية، وباقي الدول المعادية لبكين.

اندفاع العديد من الدول العربية والإسلامية للدفاع عن الإيغور كان إما عن جهل، أو نتيجة لاعتبارات سياسية، وتنفيذاً لمطالب وأجندات خارجية.

فلماذا لم نسمع من تلك الدول أيّ مواقف حول ما تقوم به الهند على سبيل المثال ضد المسلمين فيها، أم أن موقفها جاء متفقاً مع الموقف الأميركي الصامت تجاه الهند والداعم لها.

الولايات المتحدة الأميركية تسعى لـ “تفعيل الهند” باعتبارها كتلة آسيوية يمكن أن تكون منافساً للصين، خاصة وأن هناك مشكلات تاريخية وخلافات حدودية بين الهند والصين.

وقد سعت الولايات المتحدة إلى ضم الهند إلى تحالف كواد الذي يستهدف محاصرة الصين، وشجّعت الدول العربية و”إسرائيل” وإيطاليا على الموافقة على “الممر الهندي”، والذي هو في الواقع مشروع أميركي هدفه منافسة مشروع الحزام والطريق الصيني.

غياب الحديث عن الإيغور ليس نابعاً من التخفيف من حدة استهداف الصين بكل تأكيد، لكنّ الهدف منه التغطية على الموقف المعلن للإيغور من طوفان الأقصى والحرب في غزة.

فما يسمّى بـ “مؤتمر الإيغور العالمي” برئاسة دوريكون عائشة، أصدر بياناً في التاسع من أكتوبر 2023، أدان فيه ما قامت به حركة حماس، وأعلن تضامنه ومساندته للاحتلال الصهيوني. 

كما عبّر البيان عن تضامنه مع جميع الذين “يعانون من الإرهاب والحرب” على حد وصفه، بمعنى أنه أنكر حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال، كما أعلن تعاطف الإيغور مع المستوطنين الصهاينة.

هذا الموقف لقي انتقادات شديدة من قبل جمعيات قانونية دولية، ومنظمات مجتمع مدني، لكن لم يتم تسليط الضوء عليه من قبل وسائل الإعلام العربية. 

عدم انتقاد “الموقف المتخاذل للإيغور” تجاه القضية الفلسطينية، يشير من دون أدنى شك إلى حالة التسييس التي تنتهجها وسائل الإعلام العربية والدولية، والتي أغفلت في الوقت ذاته تسليط الضوء على الموقف المتقدّم لبكين، وإدانتها الواضحة للاحتلال الصهيوني وسلوكياته.

فلم تعد القضية الفلسطينية تخصّ العرب والمسلمين فقط، بل باتت قضية قانونية وإنسانية بالدرجة الأولى، وهذا ما أثبته طوفان الأقصى، والإدانات الدولية للمجازر الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة. 

الدعم الأميركي المطلق لـ “إسرائيل”، سياسياً وعسكرياً وأمنياً، واجهته انتقادات لاذعة جداً من قبل روسيا والصين. ثم تطورت تلك الانتقادات لتصل حد “الاشتباك السياسي” في مجلس الأمن، والذي انتهى بالفيتو الروسي الصيني الذي أبطل مشروع القرار الأميركي الذي يهدف إلى مساعدة الاحتلال والإفراج عن الأسرى الصهاينة، من دون أن يكون هناك وقف نهائي للحرب أو مساعدة لأهالي غزة.

الردّ الأميركي على موسكو جاء سريعاً من قبل أدواتها القذرة، حيث أعلن تنظيم “داعش” (خراسان) مسؤوليته عن العمل الإرهابي الجبان الذي استهدف قاعة للحفلات الموسيقية في موسكو.

عودة “داعش” وتطوّره وتوسّع نشاطه ليأخذ طابعاً دولياً تضعنا أمام تساؤلات عديدة، أهمها مدى فشل التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة لمحاربة “داعش”.

وهل لذلك علاقة برغبة الولايات المتحدة في البقاء في الشرق الأوسط، العراق تحديداً، بعد طلب الحكومة العراقية منها المغادرة.

وما الذي يجعل “داعش” يترك الشرق الأوسط حيث يقتل (المسلمون الفلسطينيون)، ولا يندّد بما تقوم به “إسرائيل”، أو يهدّد بتنفيذ عمليات ضد المصالح الصهيونية في العالم.

ولماذا لم يستهدف التنظيم القوات الأميركية الموجودة في المنطقة، وهي الداعم الأكبر لحكومة الاحتلال فيما ترتكبه من مجازر. فلطالما كانت الولايات المتحدة والدول الغربية تقول عن “داعش” إنه من صنع إيران وروسيا والنظام السوري.. إلخ، فلماذا لم يستهدف التنظيم أعداء هذه الدول.؟

اللافت في الأمر كان إعلان السفارة الأميركية في موسكو في السابع من مارس، تحذيراً لرعاياها من هجوم إرهابي محتمل، حيث طلبت منهم تجنّب الأماكن العامة.

الأمر فسّر من قبل السلطات الروسية أنه تخويف للناس لعدم الذهاب والمشاركة في الانتخابات الرئاسية التي جرت في الفترة بين 15-17 مارس.

الإقبال الكبير على الانتخابات، والنجاح الحاسم للرئيس بوتين، نقل رسالة واضحة للغرب باصطفاف الشعب الروسي خلف قيادته، وصولاً إلى تحقيق الانتصار في الحرب الأوكرانية. والحديث عن “هجوم الربيع” المتوقّع أن ينفّذه الجيش الروسي لفرض مناطق عازلة، رافقه تهديد فرنسي وأوروبي بالتدخّل المباشر في الحرب.

 تلك المؤشرات وغيرها تجعلنا نعتقد أن العالم ذاهب إلى المزيد من التصعيد والتسخين للجبهات، ولعل أهم هذه الجبهات وأشدّها خطراً هي منطقة بحر الصين الجنوبي. 

في الخامس من الشهر الماضي، أصدر المجمع الاستخباراتي الأميركي تقريراً بعنوان: “تقييم التهديد السنوي”، اعتبر أن الصين هي التهديد الأول بالنسبة للولايات المتحدة، ثم روسيا وإيران وكوريا الشمالية وحركة حماس في غزة.

 والغريب في التقرير أنه لم يشر إلى تنظيم “داعش” بوصفه خطراً على الولايات المتحدة، التي لا تزال تقود تحالفاً دولياً لقتاله!

يبدو أن هوية “داعش” باتت اليوم أكثر وضوحاً، وهي استكمال لتاريخ طويل من المساكنة والمصالح المشتركة بين الولايات المتحدة الأميركية وحركات الإسلام السياسي ذات الأجندات الغربية والفكر الإسلاموي البريطاني.

“الجهاد الصيني” المقصود به سعي الولايات المتحدة الأميركية إلى محاولة استنساخ النموذج الأفغاني (قتال تنظيم القاعدة للاتحاد السوفياتي)، عبر خلق تنظيم إسلامي يقود الجهاد ضد الصين “لاضطهادها الإيغور” المسلمين. فاستهداف الصين من قبل الولايات المتحدة الأميركية، كان قد جرى العمل عليه في السنوات الماضية وبشكل معلن، عبر ما سمّي بـ “احتواء الصين”. 

هذا الاستهداف كان عبر العمل على “الداخل والخارج” الصيني، ففي الداخل جرى التسويق لحملات كبيرة، الهدف منها التلاعب بالرأي العام للشعب الصيني وموقفه من حكومته، عبر الترويج لعدد من الأكاذيب حول قضايا “الحرية” و”الديمقراطية” و”حقوق الإنسان”، واضطهاد الأقليات (الإيغور)، ووصل حد اتهام الصين بتصنيع فيروس كوفيد 19، وانتقاد طريقة مواجهته من قبل الحكومة الصينية…إلخ.

أما على الصعيد الخارجي فكان عبر نسج سلسلة من التحالفات الهدف منها تطويق بكين، وفرض عدد كبير من العقوبات عليها، والسعي لإيقاف تطورها التكنولوجي، وتشويه سمعتها في هذا المجال عبر اتهام الشركات الصينية بالتجسس على مستخدميها، وكان آخر تلك القضايا هي الحملة الجارية حالياً ضد تطبيق تيك توك.

فالحكومة الصينية تدرك تماماً أهمية العمل على ثنائية “الداخل والخارج”، فتحصين البيئة الداخلية شرط ضروري لمواجهة الخارج المتآمر. 

بعد فشل الولايات المتحدة، حتى الآن، في استهداف الصين من الخارج، نظراً لقوة هذا البلد، والرجاحة السياسية للعقول التي تديره، والتي استطاعت تجاوز جميع الاستفزازات الأميركية في المرحلة السابقة، فمن غير المستبعد العودة إلى استهدافه داخلياً.

فالخطر الأكبر هو الفكر الجهادي الذي لطالما نجحت الولايات المتحدة في التسويق له وتوظيفه ليكون سلاحها الأقوى بوجه أعدائها.

فكان “الجهاد الأفغاني” ضد الاتحاد السوفياتي “الشيوعي الملحد”، بقيادة تنظيم القاعدة حيث أمرت الولايات المتحدة بعض الدول العربية بتمويله.

واليوم يجري العمل لتهيئة تنظيم “داعش” الإرهابي ليكون أداة في مواجهة كل من روسيا والصين، بعد أن بدأ هذا التنظيم بالإعلان عن عملياته التي نفّذها على المستوى الدولي.

وما يزيد من خطورة الأمر على بكين، هو أن بعض منفّذي تفجيرات موسكو ربما ينتمون إلى الحزب التركستاني وفقاً لما ورد في بعض التقارير. وهو ما يحتم على الصين اتخاذ خطوات أكثر حزماً تجاههم في المرحلة المقبلة.

لطالما كانت أفغانستان بيئة خصبة للتنظيمات الإرهابية، لأنها لم تتعافَ بعد من السيطرة الأميركية عليها، والتي استمرت لعدة عقود.

فالانسحاب الأميركي من أفغانستان كان الهدف منه خلق “خاصرة رخوة” يتم من خلالها استهداف الصين، خاصة وأن هناك منطقة برية (واخان) يصل طولها إلى 70 كلم، وتصل أفغانستان بإقليم شينجيانغ الذي يعيش فيه الإيغور المتطرّفون.

بكين من جهتها لطالما تعاملت بإيجابية مع ما يحدث في أفغانستان، فرحّبت سابقاً بالوجود الأميركي فيها كونه يحقّق نوعاً من الاستقرار هناك.

وعند الانسحاب الأميركي في العام 2021، تدخّلت بكين وملأت الفراغ هناك، وأقامت علاقات دبلوماسية مع طالبان، وسعت لإيصال مشاريع التنمية الصينية إلى هناك، إيماناً منها بأن الرفاه والازدهار يسهم وبشكل كبير في تجفيف منابع الإرهاب.

تنظيم “داعش” (خراسان) كان قد ظهر في شرق أفغانستان في العام 2014، ومنذ وصول طالبان إلى السلطة في أغسطس 2021، نفّذ التنظيم 248 هجوماً داخل الأراضي الأفغانية. منها هجوم على مطار كابل الدولي أدى إلى مقتل 13 جندياً أميركياً، خلال عملية الإجلاء الأميركية من أفغانستان.

وفي سبتمبر 2022، أعلن مسلحو التنظيم مسؤوليتهم عن تفجير استهدف السفارة الروسية في كابل، كما نفّذ التنظيم تفجيرين في مدينة كرمان الإيرانية في بداية هذا العام، أسفرا عن مقتل قرابة 100 شخص.

فالتنظيم يسعى إلى تقويض علاقة حكومة طالبان بالصين وغيرها من الدول التي تقيم علاقات معها، لذا فقد تمّ استهداف السفارتين الروسية والباكستانية تباعاً في سبتمبر وديسمبر 2022.

وفي 11 يناير 2023 فجّر انتحاري من تنظيم الدولة حزامه الناسف قرب وزارة الخارجية الأفغانية في كابل، حيث كان مقرّراً عقد اجتماع مع وفد صيني، مما تسبّب في سقوط أكثر من 50 قتيلاً.

وفي 12 ديسمبر 2023 أعلنت بكين إصابة 5 من مواطنيها من جراء الهجوم على فندق في كابل، تبنّى التنظيم المسؤولية عنه.

الأمم المتحدة، وفي تقرير لها صدر في عام 2022 ذكرت أن تنظيم الدولة الإسلامية بولاية خراسان يعمل بشكل نشط من أجل تجنيد مقاتلين من الحزب الإسلامي التركستاني، وهو منظمة مسلحة إيغورية انفصالية تدعو إلى إنشاء دولة إسلامية في إقليم شينجيانغ بشمال غربي الصين.

وأشار التقرير إلى أن الجماعتين تعاونتا في إصدار دعاية مناوئة للصين بلغة الإيغور، وفي تبادل المقاتلين والمشورة العسكرية، فضلاً عن التخطيط لهجمات مشتركة وتنسيق صفقات لشراء الأسلحة.

وهنا نشير إلى أن الحزب الإسلامي التركستاني كان حليفاً لتنظيم القاعدة، وله نشاطات إرهابية في عدد من الدول العربية وخاصة سوريا، حيث لا يزال التنظيم يقاتل في الشمال السوري، وبدعم كبير من تركيا.

فهل ستشهد الأيام المقبلة مزيداً من الدعم الروسي والصيني لمساعدة الجيش السوري في القضاء على هؤلاء الإرهابيين، خاصة وأن فتح جبهة إدلب قد يحظى بغض طرف أميركي رغبة في انشغال الجيش السوري وربما حزب الله عما يجري من أحداث في غزة، وبالتالي تخفيف الضغط من جنوب لبنان على “إسرائيل”.

الثابت أنه وبعد تفجيرات موسكو، على بكين أن تقلق أكثر باعتبارها في عين العاصفة، خاصة وأن هذه التهديدات قد تنتقل أيضاً من أفغانستان إلى باكستان حيث تقيم بكين فيها مشروعات استثمارية تقدّر بـ 50 مليار دولار.

يبدو أن التحدي المقبل لبكين يتجسّد في مدى قدرتها على المواءمة بين أهدافها الاقتصادية وخططها التنموية، وبين مواجهتها التحديات المتزايدة لأمنها القومي. 


By amine