الأربعاء. نوفمبر 25th, 2020

الأسباب والعلاج

إعداد

أسامة هاشم الحديدي

الخطيب والباحث بالجامع الأزهر الشريف

إمام وخطيب مسجد الإمام الحسين بالقاهرة (سابقًا)

إن هذا بحث مختصر عن الغلو والتشدد ينتظم في أربعة محاور:

1-الغلو والتشدد طبيعة بشرية.

2-الغلو والتشدد في الديانات الأخرى.

3-صور من غلو بعض البشر في عصر صدر الإس

4-الحلول والعلاجات.

        إن الأمة الإسلامية تنشد الوسطية مذهبًا -وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس-،والاعتدال منهجًا والحكمة مطلبًا ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا كما أن الأمة كذلك تتطلع إلى الاستقرار والرخاء، وتسعى سعيًا جادً من أجل التقدم والرقي، ويعمل قادتها ومثقفوها، وعلماؤها ومفكروها، لتحقيق ذلك. 

ولكن في خضم أحداث العنف المتلاحقة، وموجات التشدد والغلو والتطرف التي يعاني العالم اليوم آلامها، والتي ألقت بغمامها الكثيف على كثير من دول العالم، لا سيما العالمين العربي والإسلامي، مهددة أمنه، ومستهدفة سلامته وعافيته.

_في خضم هذه الأحداث_ ما استطعنا أن نجد مخرجا من تلك الأزمات إلا من خلال دعوات لبعض المؤسسات الدينية والهيئات العلمية لمؤتمرات عالمية في محاولات حثيثة لمواجهة تلك الهجمات الغاشمة المتتالية، بتفكيك فكر من يقومون بها، وتفنيد حججهم الواهية التي لا تعدو أن تكون قطعا لنص من سياقه، أو فهما خاطئا للقرآن والسنة أو تحقيقًا لمصلحة شخصية واتباعًا لهوىً” أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ”( الجاثية:23)

تعريف الغلو :

الغلو لغة : مجاوزة الحد، يقال غلا القدر إذا ارتفع ماؤه وفار بسبب شدة الحرارة,ويقال غلا السعر إذا ارتفع عن الحد المعروف.

واصطلاحًا :المبالغة في الشئ والتشددُ فيه بتجاوز الحد,يقال غلا في الدين غلوًا : تشدد وتصلب حتى جاوز الحد, والغلو في الدين الإفراط فيه.

أنواع الغلو والتشدد: 

1-غلو اعتقادي، وغلو عملي وهو ناتج عن الاعتقادي.

2-غلو في القرآن الكريم والسنة المطهرة بتأويلهما على غير ظاهرهما، أو حملهما على وجه واحد من الوجوه الصحيحة المحتملة، أو اقتطاع نص من سياقه.

3-غلو في العلم، ومنه تحريف الكلم عن مواضعه.

وأذكر بعض صور الغلو العقدي :

1- الغلو بإطراء النبي – صلى الله عليه وسلم – ، وقد حذر – صلى الله عليه وسلم – الأمة من الغلو فيه بتأليهه أو رفعه عن مرتبة النبوة بدعوى حبه وتوقيره، فقال – صلى الله عليه وسلم -: ” فيما رواه ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ» 

2- الغلو في إساءة الأدب مع النبي – صلى الله عليه وسلم- كما في حديث ذي الخويصرة الذي سنذكرة أثناء عرضنا لبعض أمثلة المغالاة

3- غلو الخوارج بالتكفير، وغلو المرجئة بالتهاون في الذنوب، وغلو المعتزلة بأن العبد يخلق أفعاله، وغلو القدرية بإنكار الإيمان بالقدر، وغلو المشبهة والمجسمة في صفات الخالق – جل وعلا – إلى غير ذلك من الانحرافات العقدية.

4- التشدد في إلزام النفس ما لا تطيق من العبادة، كحديث النفر الذين سألوا عن عبادة النبي – صلى الله عليه وسلم – فتقالوها، وسيأتيذكره إن شاء الله.

1-الغلو والتشدد طبيعة بشرية:

من المؤلم غاية الألم أن تُرتكب جرائمٌ باسم الإسلام وشريعته السمحاء،الأمر الذي استغله المغرضون والمرجفون وأصحاب الأهواء وذوو النفوس الضعيفة أسوأ استغلال في محاولات بائسة لتشويه صورة الإسلام، وتقديمه للعالم على أنه دين همجي، يبعث على العنف والكراهية ,ساعدهم على ذلك قيام بعض المنتسبين للإسلام بأفعال مشينة وأعمال عدائية أساءت للإسلام بصنيعهم المغالاة والعنف والتطرف آفات لم تكن يوما من أخلاق الإسلام، ولا صفة من صفاته، بل هي علل قديمة، تتجمع في الأرض كل فترة من الزمن على حين غفلة من أهلها،قديمة حديثة.

وليس أدل على ذلك من قصة ابني آدم ” … إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ …( المائدة: 27)

فالتشدد والمغالاة وغيرها من الصفات الممقوتة والمذمومة قديمة قدم الخليقة.

2-الغلو والتشدد في الديانات الأخرى.

إننا عندما نذكر بعضًا من  نماذج الغلو من أمم سبقت الإسلام فلا يعد هذا الأمر انتقاصًا من شريعة ربانية دعا إليها نبيٌ من أنبياء الله قبل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه من باب قول الحق سبحانه (وكلًا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك)،

وإليك نبأ نبيّ الله نوح عليه السلام، فقد لبث في قومة ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم إلى عبادة الله وحده ولكنهم أعرضوا وعاندوا وغالوا في السخرية  منه والاستهزاء مما يدعوا إليه وما آمن معه إلا قليل،وكانت العاقبة أن طلب سيدنا نوح من العزيز القادر أن ينتصر له ” فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ”( القمر: 10)أي: أطلب منك النصر، “فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ”( القمر: 11)

كذلك نبي الله لوط يخرج قومه عن المألوف من طبائع البشر كلهم وعما تألفه الفطر السليمة والطباع القويمة رغم أنه يقول لهم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم، فيتبجحون في مطلبهم وعنادهم وكأنهم أصحاب حق  ويقولون مالنا في بناتك من حق, فيستنكر عليهم لوطٌ عليه السلام قائلًا أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين؟، فأعرضوا عن دعوته وسخروا من رسالته وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون  فأخذتهم الصيحة مشرقين

كذلك نبي الله موسى – عليه السلام –وقد غالى بنو إسرائيل في عدم إيمانهم وكثرة أسئلتهم ومجادلتهم، ولم يؤمنوا إلا بعد أن نجاهم من فرعون بمعجزات ظاهرة، فلما نجاهم “قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ(الأعراف: 138)

وقد استمروا في عنادهم فزجرهم الله سبحانه وتعالى بقوله” قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ●لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ●كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ”(المائدة: 77، 78،79)

كذلك كان تشدد النصارى وغلوهم في عيسى ابن مريم – عليه السلام –فنزل في شأنهم:”يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا”(النساء:171)

ثم أدى بهم الغلو إلى الخروج من الملة، قال تعالى- : “لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ” ( المائدة: 17 ، 72 ) ، وقال سبحانه : “لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ… ” ( المائدة: 73

فهل بعد ذلك تجاوز أو خروج عن الحد في التفكير والمغالاة والتشدد والانحراف؟

3-صور من غلو بعض البشر في عصر صدر الإسلام:

مما سبق ذكره يتبين أن ما سنعرضه من صور للتشدد والغلو في الصدر الأول من الإسلام لا يرتبط بالإسلام من قريب أو بعيد، وإنما يرتبط بصفات بشرية وجينات تركيبية، ولدت هذا الانحراف، وقد سبقت في أمم قبلَ الإسلام .

ونأصل هنا أن الإسلام قد نبذ الغلو، وحذر منه، وأمر بالإعتدال حتى في الطاعات والعبادات, فهولاء الثلاثة رهط الذين جاؤوا إلى بيوت النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادته وكأنهم تقالّوها, نقرأ هذا في حديث سيدنا أنس رضي الله عنه مما أخرجه الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما” أن ثلاثة رهط جاؤوا إلى بيوت أزواج النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – يسألون عن عبادته- صلى الله عليه وسلم -، فلما أُخبروا كأنهم تقالُّوها، فقالوا: أين نحن من النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – ؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا. وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر. وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوَّج أبدًا. فجاء رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم -، فقال: ((أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله، إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقُد، وأتزوَّج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني)) . اهـ. واللفظ للبخاري.

من الحديث السابق يتضح لنا أن الإسلام قد ساوى بين الحاكم والمحكوم في العبادة فلم يقبل منهم النبي صلى الله عليه وسلم زيادة في العبادة على ما يفعل تأسيسًا لمبدأ الوسطية والاعتدال وعدم الغلو والتفريط،

ومنه أيضًا ما رواه عكرمة وغيره أن علي بن أبي طالب، وسالما مولى أبي حذيفة والمقداد في قوم تبتلوا وهموا بالانقطاع عن الدنيا  وملذاتها وقدموا الآخرة على الأولى فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، بل وأنزل الله فيهم (يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين وكلوا مما رزقكم الله حلالًا طيبًا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون).

وبينما كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يعلم الناس سماحة الإسلام، ويتنزل عليه القرآن- “وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ “( الأنبياء 107)، ويأمره الله تعالى بالعدل والقسط، فيقول – عز من قائل -: “كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ”( النساء: 135) ويقول سبحانه وتعالى أيضًا: ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ “(المائدة: 8)، وأمر نبيه – صلى الله عليه وسلم – أن يقول للناس: ” وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ( الشورى:15)

يدخل على النبي صلى الله عليه وسلم أحد المتشددين فيقول في غلظة وجفاء: يا محمد اعدل فإنك لم تعدل.

وهذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – قال:بعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليمن بذُهَيْبَةٍ في أَديم ٍمقروظٍ لم تُحصّل من ترابها، قال فقسمها بين أربعة نفر بين: عيينة بن بدر وأقرعِ بنِ حابس وزيدِ الخيل والرابع إما علقمةُ وإما عامرُ بنُ الطفيل، فقال رجل: من أصحابه كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء، قال: فبلغ ذلك النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: ( ألا تأمنونني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحا ومساء ) . قال: فقام رجل غائرُ العينين مشرفُ الوجنتين ناشزُ الجبهة كثُ اللحية محلوقُ الرأس مشمَّرُ الإزار، فقال: يا رسول الله اتق الله، قال: ( ويلك أو لست أحقَّ أهل الأرض أن يتقي الله ) . قال: ثم ولى الرجل. قال خالد بن الوليد: يا رسول الله ألا أضرب عنقه ؟ قال: ( لا لعله أن يكون يصلي ) . فقال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إني لم أومر أن أنقب قلوب الناس ولا أشق بطونهم) . قال: ثم نظر إليه، وهو مقف فقال: (إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله رطبًا لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية – وأظنه قال – لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود ).

قال الحافظ ابن حجر، وهذا الرجل هو ذو الخويصرة التميمي، وكذلك قال الإمام الطبري في تفسير قوله – تعالى -: ” وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ… ” ( التوبة:58 ) فيكون هذا تصريح من القرآن بأن هذا الرجل من المنافقين.

ولعلنا نرى أن هذه المؤتمرات تسدي نفعًا ومعروفًا للمجتمعات الإنسانية بما تطرحه من فكر دقيق، ووسطية جامعة، ورؤية معتدلة، تستفيد منها الإنسانية، ويرد عنها لهيب الإرهاب، ونيران التشدد الممقوت، والغلو والتطرف الذي أنتج وضعًا مأساويًا يعييك البحث فيه عن سبب منطقي واحد يسوغ هذا التدمير المتعمد الذي حاق بالأرواح والديار والممتلكات مستهدفًا إبادة أمة وفناء حضارة، وزوال تاريخ، ولعل المتبصر يسأل نفسه لمصلحة من ؟!

ضغوط وعدوان، وسلب أرض، ونهب ثروات وخيرات، تهجير وتفجير، وتدمير للعمران والإنسان والأوطان، وكيد ما بعده كيد، ومكر ما بعده مكر،: ” وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ● فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ”( إبراهيم: 46، 47)

ورغم هذا فلا ينبغي أن نغض الطرف عن مسئوليتنا عن أفكار الغلو والتشدد والتطرف التي تسربت إلى عقول بعض شبابنا، فدفعت بهم في ظلمات التكفير والتدمير، وهؤلاء الغلاة الجدد ينطلقون من المعتقد القديم الذي بني على تكفير المسلمين، بذنب و بغير ذنب، ثم استحلال دمائهم وأموالهم بعد ذلك، مع أن الإسلام قد حرم ذلك، وحذر منه النبي صلى الله عليه وسلم  أشد تحذير، فلا يجوز تكفير مسلم بالذنوب حتى ولو كانت كبائر لأن الكفر يختلف اختلافًا كبيرًا عن الذنوب ما لم يستحلها العبد ،واقرأوا إن شئتم ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)،

فالكفر هو إنكار القلب وجحده وخلوه من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره.

ومن هنا حرم الإسلام الاعتداء على النفس الإنسانية، أيًا كانت ديانتها أو عقيدتها، قال – تعالى – : ” مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ”( المائدة: 32)

فإذا أردنا أن نلحق بركب الأمم التي سبقتنا إلى قيادة العالم في ظل سنوات تجد في السير وتسرع الخطى وعجلة زمانٍ لا تنتظر أحدًا،

علينا أن نوجه جهد شبابنا لتحقيق التقدم العلمي والتقني والحضاري، منضبطين بضوابط الدين والأخلاق ونور الوحي، حتى نخفف آلام البشرية، ونحقق آمالها، في ضوء ما دعا إليه الأنبياء والمرسلون الذين أرسلهم الله لهداية البشر ” رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا”.( النساء: 165)

4-الحلول والعلاجات.

1- الفهم الصحيح لآيات كتاب الله ولسنة سيدنا رسول الله.

2- العودة إللى زمن القدوة وذلك بالأخذ عن المتخصصين في التلقي.

3- جمع المفاهيم المغلوطة وبيان حقيقتها وردها بالأدلة والبراهين الساطعة بعد إجماع علماء الأمة العدول عليها ونشرها من خلال الوسائل المختلفة .

4- مواجهة ما يعين على الغلو فى وسائل الإعلام من غلو وتشدد وانحرافات تسوغ للشباب والفتيات التشدد فى الدين.

5- متابعة الآباء أبناءهم وبناتهم فى ما يخشونه عليهم من انحرافات فكرية .

6- التركيز على أهمية الحوار باعتباره مبدءًا إسلاميًا عامًا ومنهج تعامل مع كل الأطياف ومختلف الفئات.

7- القيام بخطوات عملية منظمة لتقديم برامج ولقاءات ومسابقات وأبحاث تعزز الوعى العام بأهمية الحوار وآدابه ونتائجه التربوية وتفتح بابا لتصحيح المسار من خلال النقد البناء والتوعية بالآثار السيئة على الفرد والمجتمع للأفكار المغلوطة .

8- تأكيد علماء المسلمين على تبنيهم منهج حوار بناء مع المخالف يدعوا للتسامح مع الآخر مما يؤسس لردود علمية عملية على كل ما يثار ضد الإسلام من ادعاء بأنه يدعوا إلى التشدد والغلو.

9- نشر قيم الثقافة الدينية وتفعيلها من خلال مؤتمرات علمية وندوات  تثقيفية تدعوا إليها المؤسسات الدينية والمدنية والمنظمات العالمية مما يساعد على نشر أساليب الحوار الهادئ والمنظم نشرا يجلى سماحة الإسلام .

10- توظيف طاقات الشباب في جوانب إبداعية ومناح فكرية تسهم في تبوئهم أماكن الريادة والصدارة بحيث يكونون عونًا لأوطانهم وحصنًا منيعًا ضد الأفكار  المنحرفة والهدامة.

١١-العمل على وحدة الصف ولم الشمل ونبذ الفرقة والخلاف وبذل كل ما يلزم لتحقيق ذلك، لأن الناس إذا لم يجمعهم الحق شعبهم الباطل، وإذا لم توحدهم عبادة الرحمن فرقتهم غواية الشيطان، وإذا لم يستهوهم نعيم الآخرة اجتالهم متاع الدنيا فتنافسوا فيها كما تنافس فيها من كان قبلهم فتهلكهم كما أهلكت من كان قبلهم. 

By admin