اعداد ادريس احميد قسم البحوث والدراسات الاستراتجية 06-10-2026
تصريحات جايشانكار تكشف حسابات نيودلهي في عالم يتغير: لا انحياز إلى بكين ولا تبعية لواشنطن
لم تكن تصريحات وزير الخارجية الهندي سوبرامانيام جايشانكار حول التحولات التي يشهدها النظام الدولي مجرد قراءة دبلوماسية عابرة. فعندما يتحدث الوزير عن «تغير جذري» في الموقف الأمريكي، بالتزامن مع صعود الصين، فإنه يضع في الواجهة التحول الذي بدأت نيودلهي تتعامل معه منذ سنوات: الولايات المتحدة لم تعد القوة الوحيدة القادرة على تحديد اتجاه النظام الدولي، والصين أصبحت لاعباً لا يمكن تجاهله أو احتواؤه بمجرد التحالفات التقليدية.
لكن الأهم في الموقف الهندي ليس توصيف التحول بقدر ما يكشفه عن طريقة تعامل نيودلهي معه.
فالهند لا تبدو بصدد الانتقال من المعسكر الأمريكي إلى المعسكر الصيني، كما أنها لا تتعامل مع صعود الصين باعتباره ظاهرة يمكن مواجهتها فقط من خلال تحالف مع واشنطن. ما تفعله هو توسيع هامش المناورة، والحفاظ على أكبر قدر ممكن من الخيارات أمامها.
وهنا تكمن أهمية القراءة الهندية للتحولات الدولية.
الهند لا ترى العالم من زاوية واشنطن
منذ صعود ناريندرا مودي، اتجهت السياسة الخارجية الهندية بصورة واضحة نحو ما تسميه دوائرها الاستراتيجية «الاستقلالية الاستراتيجية».
فالهند تتعاون عسكرياً وتقنياً مع الولايات المتحدة واليابان وأستراليا ضمن «كواد»، لكنها في الوقت نفسه تحافظ على علاقاتها التاريخية مع روسيا، وتشارك الصين وروسيا في بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون، وتعمل على توسيع علاقاتها مع أوروبا ودول الخليج والجنوب العالمي.
هذه السياسة لم تتغير، لكنها أصبحت أكثر وضوحاً مع التحولات التي شهدتها العلاقة الهندية-الأمريكية.
وتشير تحليلات حديثة للسياسة الخارجية الهندية إلى أن اضطرابات العلاقة مع واشنطن لم تدفع نيودلهي إلى التخلي عن الولايات المتحدة، وإنما إلى تنويع خياراتها وزيادة التحوط الاستراتيجي.
بمعنى آخر، الهند لا تقول: «ننتقل من أمريكا إلى الصين».
بل تقول عملياً: «لن نعتمد على طرف واحد».
الصين: من الخصم الحدودي إلى الشريك الذي يجب التعامل معه
العلاقة الهندية-الصينية أكثر تعقيداً.
فالصين ليست بالنسبة إلى الهند مجرد قوة اقتصادية صاعدة، بل منافس استراتيجي مباشر، وهناك نزاع حدودي طويل وتوترات عسكرية خطيرة، كان أبرزها اشتباكات عام 2020.
لكن السنوات الأخيرة شهدت محاولة لإدارة هذا الصراع بدلاً من تركه يتحول إلى مواجهة مفتوحة.
وهذا التحول لا يعني اختفاء الخلافات، بل يعني أن الطرفين أدركا كلفة استمرار التصعيد.
فالهند تريد معالجة قضايا الوصول إلى الأسواق والاختلال التجاري وسلاسل الإمداد، لكنها في الوقت نفسه تؤكد أن الهدوء على الحدود شرط أساسي لتطبيع العلاقات.
ثم جاءت اللقاءات السياسية بين ناريندرا مودي وشي جين بينغ لتقدم إشارة أكثر وضوحاً إلى رغبة الطرفين في منع الخلافات من التحول إلى نزاع مفتوح.
هذه ليست مصالحة هندية-صينية كاملة، لكنها عملية تخفيف للتوتر.
والفارق مهم.
هل تتحسن العلاقات الهندية-الصينية فعلاً؟
المؤشرات تشير إلى تحسن نسبي، لكن من المبكر وصفه بأنه تحول استراتيجي كامل.
الهند ما زالت تنظر إلى الصين باعتبارها منافساً طويل الأمد، ولا تزال قضية الحدود والاختلال التجاري والنفوذ الصيني في المحيط الهندي من الملفات الحساسة.
لكن ما تغير هو الحساب السياسي.
في ظل تصاعد المنافسة الأمريكية-الصينية، وفي ظل عدم اليقين الذي يحيط بعلاقة نيودلهي بواشنطن، يصبح من مصلحة الهند أن تمنع منافستها مع بكين من الانزلاق إلى صراع دائم.
وهكذا يصبح التقارب مع الصين وسيلة لإدارة المنافسة، وليس بالضرورة نهاية لها.
الهند تريد منافسة الصين عندما تقتضي مصالحها ذلك، والتعاون معها عندما يكون التعاون مفيداً، ومنع الخلافات من التحول إلى مواجهة عسكرية.
بريكس يكشف جانباً آخر من الحسابات الهندية
المفارقة أن الهند والصين، رغم تنافسهما، تجلسان في الإطار نفسه داخل بريكس.
وهذا ليس تفصيلاً ثانوياً.
فبريكس بالنسبة إلى الهند يمكن أن يكون منصة لتوسيع نفوذها في «الجنوب العالمي»، لكنه ليس بالضرورة مشروعاً هندياً لمواجهة الغرب.
وهنا تظهر خصوصية الموقف الهندي.
نيودلهي تريد استخدام بريكس لتوسيع خياراتها الاقتصادية والسياسية، لكنها لا تبدو راغبة في تحويل المجموعة إلى تحالف صدامي مع الولايات المتحدة.
وهذا يعكس العقلية الهندية بوضوح:
بريكس ليس بديلاً عن الغرب بالنسبة إلى الهند؛ إنه أداة لزيادة الخيارات أمام الهند.
هل تصريحات جايشانكار اعتراف بفشل السياسة الأمريكية؟
هنا ينبغي التمييز بين أمرين.
يمكن قراءة تصريحات جايشانكار باعتبارها إقراراً بأن بعض افتراضات السياسة الأمريكية لم تعد صالحة كما كانت، لكنها لا تمثل إعلاناً هندياً بأن الاستراتيجية الأمريكية تجاه الصين قد فشلت.
الهند نفسها لا تزال ترى الولايات المتحدة شريكاً مهماً في التكنولوجيا والدفاع والاستثمار وسلاسل الإمداد.
كما أن المنافسة مع الصين نفسها أحد الأسباب التي تدفع نيودلهي إلى الاحتفاظ بعلاقات قوية مع واشنطن.
لكن المشكلة بالنسبة للهند هي أن واشنطن أصبحت أكثر ميلاً إلى التعاملات المباشرة والضغوط الاقتصادية والسياسية، وهو ما يجعل نيودلهي أكثر حذراً في ربط مصالحها الاستراتيجية بمسار السياسة الأمريكية.
لذلك فإن عبارة «فشل السياسة الأمريكية» قد تكون أكبر من مضمون التصريحات نفسها.
والأدق هو القول إن الهند ترى أن قدرة الولايات المتحدة على تشكيل النظام الدولي منفردة تتراجع، وأن صعود الصين يجعل سياسة الاحتواء التقليدية أكثر تعقيداً.
صعود الصين لا يعني انتصار الصين
وهذه نقطة أساسية في قراءة تصريحات جايشانكار.
الهند لا تنظر إلى صعود الصين باعتباره خبراً ساراً بالضرورة.
الصين بالنسبة إليها منافس اقتصادي وعسكري وجغرافي مباشر.
لكن نيودلهي تدرك في الوقت نفسه أن محاولة تجاهل الصين أو عزلها ليست خياراً واقعياً.
ولهذا تتحرك السياسة الهندية وفق معادلة دقيقة:
منافسة الصين، دون الدخول في مواجهة معها؛ والتعاون مع الولايات المتحدة، دون الارتهان لها.
إنها ليست سياسة تحالفات بالمعنى التقليدي، بل سياسة موازنة بين القوى الكبرى.
الهند لا تختار بين واشنطن وبكين
ربما تكمن أهم رسالة في تصريحات جايشانكار في أن الهند لا تريد أن تكون مجرد طرف في المنافسة الأمريكية-الصينية.
إنها تريد أن تكون أحد الأقطاب التي تصوغ النظام الدولي الجديد.
وهذا يفسر تمسكها ببريكس، وفي الوقت نفسه تمسكها بكواد وعلاقاتها مع الولايات المتحدة والغرب.
فالهند تتصرف على أساس أن العالم يتجه نحو تعددية أكبر، وأن مصالحها لن تتحقق من خلال الانضمام الكامل إلى أي محور.
وهنا تصبح تصريحات جايشانكار أكثر أهمية من مضمونها المباشر.
فهي تعكس رؤية هندية تقول إن العالم ينتقل من نظام كانت فيه الولايات المتحدة صاحبة التأثير الأكبر إلى نظام أكثر تعددية، أصبحت فيه الصين قوة لا يمكن تجاهلها، بينما تريد الهند أن تكون أحد مراكز القوة المؤثرة فيه.
ماذا يعني ذلك للنظام الدولي؟
إذا استمر هذا الاتجاه، فإن المشهد الدولي قد يشهد مزيداً من الدول التي تتبنى سياسة «الشراكات المتعددة» بدلاً من الاصطفاف الصريح.
الهند مثال واضح على ذلك.
فهي تستطيع التفاوض مع واشنطن من موقع أكثر استقلالاً، وتحسين علاقاتها مع موسكو وبكين، وفي الوقت نفسه تطوير علاقاتها مع أوروبا واليابان وأستراليا ودول الخليج والجنوب العالمي.
أما الصين، فتستفيد من تخفيف أحد أهم مصادر الضغط عليها في آسيا إذا تحسنت علاقتها مع الهند.
والولايات المتحدة تواجه في المقابل تحدياً مختلفاً: فهي لا تخسر الهند بالضرورة، لكنها قد تجد أن الهند أقل استعداداً للانضمام إلى استراتيجية تقوم على احتواء الصين.
وهذا فرق جوهري.
الهند تريد التعاون مع واشنطن في مواجهة بعض المخاطر، وليس التبعية لواشنطن في تحديد خياراتها الخارجية.
الخلاصة: الهند تستعد لعالم جديد
في النهاية، فإن أهمية تصريحات جايشانكار لا تكمن فقط في كونها تشخيصاً للتغير في السياسة الأمريكية أو لصعود الصين.
الأهم أنها تكشف عن كيفية قراءة قوة كبرى صاعدة لهذا التحول.
الهند لا تتخلى عن الولايات المتحدة، ولا تتحالف مع الصين، لكنها تستعد لعالم لا تستطيع فيه أي قوة، بما فيها الولايات المتحدة أو الصين، أن تفرض عليها وحدها قواعد اللعبة.
ولهذا فإن تحسن العلاقات الهندية-الصينية لا ينبغي تفسيره بأنه انقلاب في التحالفات، كما أن انتقاد جايشانكار لمسار السياسة الأمريكية لا يعني أن نيودلهي قررت الابتعاد عن واشنطن.
إن الهند تفعل شيئاً أكثر تعقيداً:
إنها تعيد ترتيب علاقاتها بما يتناسب مع عالم متعدد الأقطاب، وتريد أن تكون شريكاً تختاره القوى الكبرى، لا دولة تضطر إلى اختيار إحدى القوى الكبرى.
وهنا ربما تكمن الرسالة الأعمق في الموقف الهندي:
الهند لا تختار بين أمريكا والصين… بل تستعد لعالم لا تستطيع فيه أي منهما أن تفرض عليها الاختيار.
