الأثنين. أبريل 15th, 2024

  بعد عام عن الحرب الروسية الاوكرانية، أعلنت روسيا تعليق مشاركتها في معاهدة “نيو ستارت” مع الولايات المتحدة للحد من الأسلحة النووية، وهي المعاهدة المنوطة بالحد من عدد الرؤوس النووية الاستراتيجية التي يمكن للبلدين نشرها، ما فتح الباب أمام سباق تسلح نووي جديد وغير مقيد انخرطت فيه كلٌّ من موسكو و بكين لتنظم كوريا الشمالية.

فيما لا توجد تقارير ثابتة حول مخزون الرؤوس الحربية المتاحة للاستخدام من قبل القو ات المسلحة دوليا.

تشكل كوريا الشمالية قوة عسكرية – نووية اعتمدت على خطاب زعيمها “كيم جونغ اون” بامتلاك القوة المدمرة والتهديد بالاختبارات الصاروخية والنووية ضد خصومها والولايات المتحدة الأمريكية.

حيث يتزايد خطر الترسانة النووية والصاروخية لكوريا الشمالية، واحتمالات نشوب صراع مسلح في شمال شرق آسيا.

لقد أخذت دبلوماسية الزعيم تعتمد شيئا فشيئا على التقارب مع روسيا وكذلك الصين. ففي اجتماع ببيونغ يانغ، تعهد كل من وزير الدفاع الكوري الشمالي ونظيره الروسي سيرغي شويغو بتوسيع تعاون بلديهما العسكري “للوقوف بحزم في وجه العدو المشترك”، الولايات المتحدة الأميركية. ومن هنا أظهر كيم دعمه الشامل  لنظرية “الكفاح المقدس” الذي يخوضه الكرملين ضد الغرب واعتبر كيم أن بوتين يمثل “الصديق الأقرب للشعب الكوري”.

منذ أمد وفرت روسيا نظام مساعدات غذائية للدولة التي عانت من المجاعة الغذائية لعهود، إضافة إلى الخبرات الروسية العسكرية الحساسة والطائرات الحربية وصواريخ الأرض جو ومدرعات وتجهيزات تستخدم في إنتاج الصواريخ الباليستية تمكنت كوريا الشمالية من اللحاق بالركب النووي.

الجهد العسكري الكوريّ كان موجهاً بالذات نحو مهمّة تعزيز القوة الدفاعية والهجومية الصاروخية، كسبيل لفرض معادلة تقوم على أن أي محاولة لإسقاط النظام الشمالي بالقوة العسكرية سيكون ثمنه باهضا على العدو، هذا التحول دفع بالولايات المتحدة الى عدم تجاهل الحسابات الأمريكية للتعاطي مع هذا البلد، دون إهمال دور المظلة الدولية التي تؤمّنها كل من روسيا والصين، جعلت النظام الكوري الشمالي يتخطّى عقدة الخوف من إسقاطه.

تستند السياسة الدفاعية الكورية الشمالية إلى استراتيجية الردع النووي، عبر ترسانة تقترب من 60 رأساً نووياً، هذا وتجري كوريا الشمالية اختبارات عدة في إطلاق صاروخ بالليستي عابر للقارات ومتقدم تكنولوجياً،  مكنتها  من إرسال أول قمر اصطناعي للاستطلاع العسكري إلى مدار الأرض.

ويجري تمرير الإمدادات الدقيقة في هذا المجال من الجهتين، فكوريا الشمالية ترسل لروسيا ذخائر مدفعية تحتاج إليها موسكو بشكل ملح لاستخدامها في أوكرانيا، إذ أكد مسؤولون أميركيون أن أكثر من 1000 حاوية أسلحة وصلت إلى روسيا بواسطة السفن والقطارات.

ولقد أثبتت التجارب ان صواريخ كوريا الشمالية  قد طرحت على أوكرانيا صعوبات جمة في اعتراضها، إذ إن تلك الصواريخ هي صواريخ بعيدة المدى، مما يسمح للقوات الروسية بإطلاقها من مناطق بعيدة داخل العمق الروسي، كما أنها متأخرة تكنولوجياً وذاك يصعب الكشف عنها.

لذا فإن الدعم العسكري الكوري الشمالي يمكن أن يكون حاسماً في الحملة الروسية الهادفة لإيقاف تقدم الجيش الأوكراني في المقابل، وبالنسبة إلى بيونغ يانغ، فإن إيصال أسلحتها إلى روسيا يشكل فرصة مهمة لتجربة ترسانتها في معارك حقيقية.

وإضافة إلى تقويض جهود الولايات المتحدة وحلفائها في الدفاع عن أوكرانيا، يأتي توسع التعاون الكوري الشمالي – الروسي ليهدد استقرار شبه الجزيرة الكورية حيث ظهرت تقارير تشير إلى أن روسيا أطلقت على أوكرانيا أول صاروخ باليستي مصنوع في كوريا الشمالية، قامت الأخيرة بإطلاق مئات قذائف المدفعية نحو البحر قرب الحدود المتنازع عليها مع كوريا الجنوبية.

بالنسبة لكوريا الشمالية، لم تعد كوريا الجنوبية “شريكاً للمصالحة واستعادة الوحدة”، بل عدواً ينبغي هزيمته من خلال حرب نووية، إذا تطلب الأمر حسب معادلة زعيمها كيم جونغ.

تقوم الصين من جهتها بلعب دور هام. إذ إن علاقة بكين الأمنية مع روسيا تعمقت في الآونة الأخيرة، إذ قامت روسيا بمد الصين بأسلحة حساسة وقدمت لها خبرات في الصناعات الدفاعية، كما يجري البلدان على نحو متزايد ومتقدم، تدريبات عسكرية مشتركة.

وسمحت الصين في الواقع لوجود دور عسكري روسي أكبر في القارة الآسيوية وأمنت الغطاء السياسي وشريان الحياة الاقتصادي الذي يحتاج إليه بوتين كي يتابع القتال في أوكرانيا، كذلك قامت الصين بحماية كوريا الشمالية من العقوبات الدولية والضغوطات الهادفة إلى إجبار كيم على التخلي عن برنامجه العسكري النووي.

في الإطار ذاته أيضاً ثمة سابقة تاريخية لتعاون هذه الدول الثلاث مع بعضها بعضاً. فخلال الحرب الباردة التزمت كل من الصين وكوريا الشمالية وروسيا بموقف “معارضة الإمبريالية”  الشعار الذي وجه أنشطة هذه الدول الثلاث المعادية للغرب.

أذ يركز التعاون القائم بينها على ضبط وتوحيد طرق مواجهة الصراع المحتدم في العالم، خصوصاً في أوروبا الشرقية وشبه الجزيرة الكورية ومنطقة مضيق تايوان والبحر الاحمر.

الحلف الثلاثي “الروسي–الصيني–الكوري الشمالي”  مهد الطريق الى أعادة ترميم وتشكيل الصورة القوية للنظام الشيوعي لكوريا الشمالية، صورة كان ممزقة بفعل ما عاشته كوريا الشمالية من عقود فقر ونظام سياسي منبوذ عالمياً.

فلقد أسهم الدعم الصيني والسوفياتي بمساعدة كوريا الشمالية في مواجهة كوريا الجنوبية وحلفائها وتحقيق نتيجة متعادلة في الحرب قادت إلى اتفاق هدنة منذ 1953.

يمكن القول إنَّ النظام الكوري الشمالي عبَّر دائماً عن استراتيجيته في كيفية التعاطي مع الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها الإقليميين، عبر خطاب الزعيم “كيم” بحيث كان يؤكّد دائماً أنَّ خيار التفاوض لتطبيع علاقات الكورية الشمالية مع الغرب يستند إلى موقف ثابت لا يقبل التنازل في أيّ ملف سيادي ورفع الحظر عن كوريا، دون تقديم أيّ تنازل يخصّ برنامجها النووي قبل الوصول إلى اتفاق نهائي.

 فيما باتت سياسة البيت الأبيض تنتهج منطق الدبلوماسية المنوطة بالردع نظرا لصلابة الموقف الروسي والصيني الداعم لكوريا الشمالية بما يفرض على الإدارة الأمريكية إعادة النظر في استراتيجيتها الإقليمية بتخفيف العقوبات على كوريا الشمالية وميثاق التدريبات العسكرية الأمريكية الكورية الجنوبية تجنبا لخطر كارثة ممكنة في شمال شرق أسيا.

يخطط  زعيم كوريا الشمالية الى تجربة نووية تكتيكية يتحدى من خلالها القرارات الصادرة عن مجلس الأمن، ذلك ان تعمد الزعيم، كيم تكرار التجارب الصاروخية الكورية الشمالية وتوتير الأجواء في منطقة بحر اليابان بما فيه ملف تايوان، يساعدا في رسم الصورة التي يحاول فلاديمير بوتين تظهيرها في شكل إستفزازات، كنتيجة للسياسات الأميركية في العالم.

ولذلك، يبدو ان  أحد أهداف كوريا الشمالية من خلال تجاربها الصاروخية، هو اما محاولة ضبط ساعتها الأمنية والاستراتيجية على توقيت القرار الروسي بتغيير شكل النظام الدولي أو التهديد بإشعال ترسانتها النووية في شمال شرق آسيا بضغطة زر مجنونة كما يصفها العالم.

By admin