الأثنين. أبريل 15th, 2024

قسم البحوث والدراسات الإستراتجية والعلاقات الدولية

تونس04-03-2024

اختتمت القمة السابعة لرؤساء دول وحكومات منتدى البلدان المصدرة للغاز تحت رئاسة الجزائر، والتي جرت على مدار ثلاثة أيام من 29 فيفري إلى 2 مارس 2024.

وشهدت قمة الجزائر التي كُللت بالمصادقة بالإجماع على “إعلان الجزائر”، حضورا بارزا وقياسيا لرؤساء الدول التي تتصدر الإنتاج العالمي في الطاقة، من بينهم أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد يونس المنفي ورئيس العراق عبد اللطيف جمال رشيد، والرئيس قيس سعيد…

ويُبرز ذلك، الأهمية الكبيرة لهذه الدورة التي تأتي وسط ظروف جيوسياسية عالمية صعبة تعيشها أسواق الطاقة، بالإضافة إلى التوترات الأمنية السائدة على مستوى عديد بقاع الأرض.

  تكتسي قمة منتدى الدول المصدرة للغاز، التي احتضنتها العاصمة الجزائرية نهاية شهر فيفري، أهمية بالغة بالنظر إلى السياق الدولي الحالي، الذي يتسم بالتوتّرات التي تشهدها عدة مناطق من العالم، وهو ما يؤكده خبراء ومختصون في الشأن الطاقوي، إذ يتفقون جميعهم على أنّ مخرجات قمة الجزائر للغاز ستكون مؤثرة على أكثر من مستوى هذا و يشار إلى أن قمة الغاز عرفت مشاركة كل من أمير قطر ورؤساء إيران والعراق وموريتانيا والسنغال وموزمبيق وبوليفيا.

يجمع خبراء الطاقة وأن الأهمية البالغة التي تكتسيها القمة السابعة لرؤساء وحكومات منتدى الدول المصدّرة للغاز (29 فيفري – 02 مارس 2024 بالجزائر)، جاءت في ظلّ سياق عالمي شديد الخطورة  اتسمّ بتأثر بعض الدول في ظلّ العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانية والعدوان الصهيوني على قطاع غزة وأدى الى ارتفاع الطلب العالمي على الطاقة خصوصا وأنّ 65 بالمائة من احتياطي الغاز العالمي تتركّز في روسيا ومنطقة الشرق الأوسط.

 ذلك أنّ الدول الغربية كانت تستورد 45 بالمائة من احتياجاتها للغاز من روسيا، وبعد العملية العسكرية أصبحت أوروبا تبحث عن بديل وشركاء جدد، والجزائر إحدى الدول التي لعبت دورا هاما في تزويد أوروبا بالغاز في 2023، فأصبحت تصدّر ضعف الكمية المعتادة إلى فرنسا، وعادت إلى المرتبة الأولى كمُصدّر إلى إسبانيا، إضافة إلى إيطاليا التي صدّرت لها 27 مليار متر مكعب بزيادة بلغت 4 مليارات متر مكعب وفقا لبيانات وزارة الطاقة والمناجم الجزائرية التي صرحت بأهمية الاستكشافات الجديدة بمنطقة توات وشمال رقان وحاسي بركين وغيرها من الاستكشافات التي ستزوّد الإنتاج والتخزين الجزائري في عام 2024 والسنوات المقبلة.

اما هذا الدور الاستراتيجي الذي أصبح يلعبه الغاز فتؤكد المعطيات التي تقدّمها الوكالة الدولية للطاقة من 2024 إلى غاية 2050 أنّ الطلب على الغاز سيزداد بنسبة 2 بالمائة سنويا، وفي عام 2050 ستبلغ زيادة الطلب ما بين 22 إلى 25 بالمائة.

مخرجات قمة الجزائر ستؤثر ليس فقط على أسعار الغاز العالمية، بل من خلال تقييم الاستراتيجيات التي تعتمدها دول شمال افريقيا بخصوص تحسين مستوى صادراتها ودمجها ضمن كميات السوق العالمية وما لذلك من تحديات أخرى، تكمن في التحكم بالتكنولوجيات والتقنيات الحديثة في حقول الغاز.

المنتدى جاء في وقت حساس بالنظر إلى الأحداث الواقعة في سوق الغاز والنفط  العالمي بصفة عامة، فمنذ بداية 2020 كان هناك حدث عكسي بالنسبة إلى الدول المصدّرة والمنتجة للغاز لما كانت هناك جائحة كورونا، إذ تراجع الطلب وانكمش الاقتصاد العالمي وبعد ذلك كان هناك الحدث العكسي الثاني بالنسبة للدول المستهلكة للغاز على خلفية التحولات الجيوسياسية في شرق أوروبا، ما أدى إلى حدوث ضغط على الدول المنتجة للغاز بما فيها الجزائر، من حيث ازدياد الطلب وارتفاع أسعار الغاز.

ومن جهة أخرى فإن التحول الجيوسياسي الآخر حاصل في منطقة البحر الاحمر و قطاع غزة جرّاء العدوان المتواصل من قبل قوات الاحتلال، وكما هو معلوم احتياطي الغاز ببحر غزة معتبر جدا، لذلك يعمل الاحتلال من خلال حربه على الاستيلاء على تلك المقدّرات بالشراكة مع الولايات المتحدة الأمريكية.

 هذه التحولات الجيوسياسية ألقت بظلالها على سوق الغاز من حيث العرض والطلب، ما جعل الطلب العالمي على الغاز ينمو الى بداية 2024 بمعدل  1.6 بالمائة في السوق العالمية، وفقا للمعهد الأمريكي للبترول وهذه التحولات في سوق الطلب والعرض لعبت دورا بارزا على مستوى قرارات المنتدى الجزائري الهامة. بما في ذلك تشديد الرئيس التونسي على مجال السيادة الطاقية والذي بات على أوروبا والغرب أن يحسبوا له ألف حساب.

شكلت قمة منتدى الدول المصدرة للغاز التي احتضنها الجزائر هذه السنة، في ظل السياق الدولي الحالي، فرصة هامة في مجال التنسيق والحوار بين الدول بالنظر إلى الدور المتزايد للغاز في المزيج الطاقوي العالمي في السنوات المقبلة ولإيجاد تفاهم لتثمين مواردها وتقوية مكانتها في السوق العالمية وأن التنسيق يشكل نقطة قوة بالنسبة إلى دول المنتدى، الذي أُسس لإيجاد صوت موحد بين الدول الأعضاء بالنظر إلى أهمية الغاز في السوق العالمية وتأثيره القليل على البيئة، وكونه عنصرا مهما يؤثر في المزيج الطاقوي العالمي الى أفق العام 2030

الدول المصدرة للغاز وهمزة الوصل بين كل من إفريقيا، أوروبا وآسيا. بما في ذلك أنبوب الغاز العابر للبلاد التونسية نظرا لأهمية الأنبوب ودوره في تأمين تزود أوروبا والبلاد التونسية بالغاز الطبيعي (يمثل الغاز الجزائري بين إتاوة وشراءات حوالي 66% من الاستهلاك الوطني سنة 2020) وفي توفير موارد لميزانية، تم التفاوض مع الجانب الإيطالي والتمديد في الاستغلال لمدة 10 سنوات بمقتضى القانون عدد 63 لسنة 2019، علما أنه بالإضافة إلى المحافظة على الاتاوة تم الاتفاق على معلوم جديد لكراء سعة النقل بـ 143 مليون دولار للعشر سنوات وتحمل الجانب الإيطالي كلفة الاستثمارات والصيانة وميزانية الشركات SOTUGATو SERGAZ و460 موطن شغل بما في ذلك شركة الخدمات PMS.

 كما طرحت القمة دور وثقل الجزائر والدول المجاورة لها بما فيها تونس وليبيا في أسواق الطاقة العالمية بالنظر إلى موقعها الاستراتيجي، الذي جعلها ممونا هاما لأوروبا، بالإضافة إلى إمكانية جعلها مستقبلا رابطا بين إفريقيا وأوروبا في تصدير الغاز الإفريقي، عن طريق مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء المنطلق من نيجيريا لتصدير ما يفوق 30 مليار م3 سنويا.

كما حظيت قمة الغاز من جانب أخر  بتدارس الأوضاع السائدة في المنطقة المغاربية، ليخلص اللقاء إلى ضرورة تكثيف الجهود وتوحيدها لمواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية بما يعود على شعوب البلدان الثلاثة بالإيجاب أي تونس والجزائر وليبيا، كما تقرر عقد “لقاء مغاربي ثلاثي” كل ثلاثة أشهر يكون الأول في تونس بعد شهر رمضان المبارك.

أما بخصوص معهد البحوث الغازية، الذي سيتم تدشينه بمناسبة انعقاد اللقاء ذاته  فسيكون هذا المعهد خلاصة لتقارب الدول الأعضاء من أجل التكامل في التكنولوجيات وإيجاد تقنيات جديدة لخفض تكاليف الإنتاج والحفر والنقل والتحويل، حيث سيعطي دفعا جديدا للبحث العلمي والتطوير التكنولوجي في الدول المغاربية الثلاث، كما يمثل فرصة لإيجاد الحلول لمشاكل مشتركة ويعزز التكامل وتثمين موارد هذه الدول وتعزيز شبكات الرابط العالمية العابرة من الجزائر الى تونس نحو أوروبا .

في خضم تمخض الأوضاع العالمية المعقدة عن صراع الثروات الأرض والمستوطنات تؤكد الدول  المغاربية الثلاث على فرض سيادتها لكل شبر من أراضيها أمام حضور دولي  حاشد تتجه أنظاره الى الغاز حيث تضمّن إعلان الجزائر الموسوم بـ “الغاز الطبيعي من أجل مستقبل طاقة آمن ومستدام“، عديد النقاط التي تصب مجملها في التأكيد على الحقوق السيادية المطلقة والدائمة للدول الأعضاء على مواردها من الغاز الطبيعي، أهمية التعاون والتنسيق بين الدول الأعضاء لتطوير البحث والابتكار ونقل المعارف والتكنولوجيات المتعلقة بالغاز الطبيعي.

ويلخص الرئيس سعيد قائلا أن “الشعب الفلسطيني مسلوب من خيرات بحره، وخاصة في الغاز الموجود في بحر غزة، والمقدر بـ1.4 تريليون قدم مكعب”.

By amine