الخميس. مايو 30th, 2024

إعداد الدكتورة بدرة قعلول رئيسة المركز الدولي للدراسات الإستراتجية الأمنية والعسكرية

تونس 08-01-2024

طوفان الأقصى كانت له ميزة غير مسبوقة من اكثر من مستوى بإعتباره بدأ في التوسع والتعقيد وبدأ الجدار يسقط وأخذت مواقف دول العالم تظهر وتتميز بين الوضوح والغموض والمهادنة والنفاق والتحيّز.

وكان موقف الصين الإنساني واضحا منذ البداية وفقا لمبادئها الإنسانية وقيمها التي تعلنها ولا تخفيها، حتى إن هذا الموقف قد أثار حفيظة الكثير من الدول المنحازة وخاصة حفيظة الأمريكان والإحتلال الصهيوني.

ما هي أسس الموقف الصيني من القضية الفلسطينية؟

وكيف يمكن الإعتماد عليها في المستقبل؟تعتبر الصين أن فلسطين قد تعرضت لظلم تاريحي يحتاج من المجتمع الدولي أن يقف إلى جانب الحق والعدالة وخاصة الإستقلال والحرية لدولة يغتصبها كيان صهيوني محتل. لهذه الإعتبارات وغيرها من المبادئ الإنسانية التي تؤمن بها جمهورية الصين الشعبية قد بنت موقفها الواضح منذ بداية طوفان الأقصى، فالخارجية الصينية استخدمت منذ بداية الحرب على مصطلحين أساسين في خطابها الدولي، هما فلسطين وإسرائيل كطرفين في أعمال العنف، ولم تذكر كلمة فصائل ولا “حماس”. ومن المعلوم أن الصين قد اعترفت منذ العام 1988 بالدولة الفلسطينية التي أعلنت قيامها منظمة التحرير الفلسطينية.

كما دعت الصين منذ بدأ الحرب على الشعب الفلسطيني الطرفين إلى ضبط النفس والهدوء ووقف الأعمال العدائية بشكل فوري حتى لا يزداد الوضع تدهوراً، وحتى لا يسقط المزيد من المدنيين.

ولم تكتف الصين بذلك وإنما انتقلت إلى بيان أن جمود عملية السلام يحب أن لا يستمر نظراً لأن استمراره يجدد دورات الصراع.

ونادت بإقامة دولة فلسطينية مستقلة في إطار حل الدولتين.

وأكدت على ضرورة استئناف محادثات السلام بأسرع وقت ممكن بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي.

وأكدت كذلك على مسئوليات المجتمع الدولي بحيث يتحرك سريعاً، ويزيد من اهتماماته بالقضية الفلسطينية، ويسهل عملية المفاوضات، ويوجد السبل اللازمة لكي يتحقق السلام الدائم.

أكدت على مواصلتها العمل مع المجتمع الدولي من أجل تحقيق ذلك.

أعلنت الصين عن أسفها العميق لسقوط مدنيين من الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، كما أنها أعلنت عن معارضتها للأعمال التي تضر بالمدنيين.

كما أنها أعلنت عن موقفها الرافض لكل ما من شأنه “توسيع نطاق الصراع وتقويض الاستقرار الإقليمي”، مع الدعوة لوقف إطلاق النار سريعاً.

وفي المقابل فإنّ عناصر الموقف الصيني تثير تساؤلات كثيرة حول وضع القضية الفلسطينية على أجندة القوى الكبرى، وما تقوم به بالفعل من أجل تسوية الصراع، وكذلك تنسحب التساؤلات على الصين باعتبارها واحدة من القوى الدولية في العالم وموقفها مهم جدا بل أنه مصيري والكثير من الشعوب تعلّق أمالا عليه، وأولهم الشعب الفلسطيني الذي لم يعد لديه ثقة في المواقف الغربية والأمريكية التي تكيل بمكيالين.

وبالرغم من أن الصين حاولت في موقفها أخذ العصا من الوسط وتحدثت عن الشعبين من أجل حقن الدماء و تجنب المزيد من التصعيد، لم يرق للجانب الإسرائيلي، الذي كان يأمل في إدانة واضحة للجانب الفلسطيني وتسمية الفصيل الذي قام بعملية “طوفان الأقصى”.

 ليس هذا فحسب بل إن يوفال واكس، المسئول في السفارة الإسرائيلية في بكين، قد اعتبر أن الوقت غير مناسب للحديث عن حل الدولتين في محاولة من الجانب الإسرائلي لإقناع الجانب الصيني والتسويف والمماطلة.

ليست إسرائيل وحدها من لم يرق لها هذا الموقف الصيني، وإنما كانت هناك تصريحات لزعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ الأمريكي تشاك شومر الذي يرأس وفداً في زيارة إلى بكين، والذي أعلن عن خيبة أمله من بيان الخارجية الصينية، معتبراً أنه لم يتعاطف مع إسرائيل أو يدعمها فيما أسماه أوقاتاً عصيبة تمر بها.

كما أنّ الصين ترى أن القضية الفلسطينية قضية محورية ضمن قضايا الشرق الأوسط، وهي الأكثر أهمية بين قضايا المنطقة، ومن ثم فإن هناك حاجة ماسة لكي تنال الاهتمام الدولي المناسب حتى يتم التوصل إلى حل عادل لها.

فالصين ليست مع تهميش القضية الفلسطينية، فقد صرح الرئيس الصيني شي جين بينغ: “لا يجوز تهميش القضية الفلسطينية، ناهيك عن وضعها في الزاوية المنسية”.

كما إعتبر الرئيس شي جين بينغ أن هناك ضمانتين لتهدئة الأوضاع ووقف الصراع يتمثلا في “الدفع باستئناف مفاوضات السلام وتنفيذ اتفاقيات السلام من جهة، والالتزام بالعدل والعدالة”.

كل هذا ينطلق من إقرار الصين بأن إسرائيل قوة احتلال عليها مسئوليات طبقاً لاتفاقية جنيف الرابعة، ومن ثم فإن ما تسعى إليه من تغيير للأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة في العام 1967 مخالف لقواعد القانون الدولي الإنساني، ويضرب بقرارات مجلس الأمن ذات الصلة عرض الحائط، وعلى رأس هذه الإجراءات الاستيطان الذي يتواصل رغم كل القرارات الدولية.

مقترحات الصين لتسوية القضية الفلسطينية

كما قدمت الصين مقترحاً من أربع نقاط لتسوية القضية الفلسطينية في العام 2013 يتمثل في:إقامة دولة فلسطينية مستقلة وكاملة السيادة على حدود العام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، باعتبار ذلك حقاً ثابتاً للشعب الفلسطيني، وأساس تسوية القضية الفلسطينية. وفي المقابل، يقر المقترح بحق إسرائيل في الوجود مع احترام شواغلها الأمنية التي يراها مشروعة أيضاً. ومن ثم، يأت التعايش السلمي بين فلسطين وإسرائيل.

ثاني نقاط المقترح الصيني يتعلق بطريق السلام بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني، حيث أن الصين ترى أن المفاوضات هي الطريق الوحيد لهذا السلام المبتغى. والمسئولية هنا تقع على عاتق الطرفين انطلاقاً من الرغبة المتبادلة في التفاهم. وفي هذا السياق، اعتبرت الصين أن هناك أولوية لوقف العنف ورفع الحصار، ومعالجة قضية السجناء الفلسطينيين، إضافة إلى وقف الاستيطان بما يمهد لتوفير الظروف اللازمة كي تستأنف المفاوضات. وأضافت الصين إلى كل ذلك ضرورة المصالحة الفلسطينية باعتبارها من عوامل المساعدة في اسئناف محادثات السلام والدفع بها قدماً.

وأكدت الصين في النقطة الثالثة على أهمية قرارات الأمم المتحدة المرتبطة بالصراع، ومبادرة السلام العربية، ومبدأ الأرض مقابل السلام.

وبالنسبة للبند الرابع فهو يركز على الدور الدولي المنوط به توفير الضمانات الضرورية حتى يكون هناك تقدم في المفاوضات، خاصة في ظل الوضع الملح على الأرض، على أن تكون هناك موضوعية وعدالة وبذل ما يلزم من جهود. وإلى جانب كل ذلك أهمية زيادة المساعدات للفلسطينيين في إطار عملية التنمية الاقتصادية.

كذلك الصين ومنذ عقودمهتمة بالقضية الفلسطينية فقد عينت منذ 2002 مبعوثاً خاصاً للسلام في الشرق الأوسط، وفي هذا دلالة على مدى اهتمامها بالملف، كما أن مبادرة الحزام والطريق الصينية تتأثر  بطبيعة الأوضاع في المنطقة، ناهيك عما يمكن أن تسهم به في حال وجود مشاريع تعاونية.

ثبات الموقف الصيني يتماهى مع مبادئها

ما عبرت عنه الصين في موقفها المبدئي مما حدث يوم السابع من أكتوبر يظهر أن موقفها ثابت فيما يتعلق بضرورة إحلال السلام ونبذ الحرب، كما أنها كانت واضحة في بيان أسس رؤيتها للتسوية. لكن في الوقت نفسه فإن رد الفعل الإسرائيلي كان واضحاً في الامتعاض من الموقف الصيني، ورؤيته عدم مناسبة الحديث عن حل الدولتين في هذا التوقيت.

وسبق أن تقدمت الصين بمقترح عقد قمة السلام، على أن يكون ذلك بمشاركة الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، وأعربت الصين في مجلس الأمن عن تأييدها لدعوة الرئيس الفلسطيني محمود عباس بعقد مؤتمر دولي للسلام، وأن يقوم مجلس الأمن بإرسال بعثة إلى فلسطين وإسرائيل، جنباً إلى جنب مع التأكيد على مواقفها المبدئية المشار إليها سابقاً.

وكان من اللافت إشارة الصين إلى مسألتين في غاية الأهمية:المسألة الأولى تتمثل في أنّ العام الحالي يمثل ذكرى مرور ثلاثين عاماً على اتفاق أوسلو، ومع ذلك فإن “الأرض الفلسطينية المحتلة ما تزال محتلّة.

المسألة الثانية تتمثل في لا معقولية القيود المفروضة من قبل السلطة القائمة بالاحتلال على حركة الأشخاص والبضائع واستخدام الأراضي ومزيد الإستيطان وإفتكاك الأراضي.

ويبقى السؤال المطروح: هل ستقبل بذلك كل من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية؟

ففضلاً عن السياسة الإسرائيلية الواضحة في ملفات الاستيطان والقدس والحدود والمياه واللاجئين وهي الملفات التي أُجِّلت طبقاً لاتفاق أوسلو، والتي لم يحدث فيها أي تطور إيجابي لا على صعيد المفاوضات ولا على صعيد التطورات على الأرض.

الخلاصة:  

جمهورية الصين الشعبية مثلها مثل الأمم المتحدة ومجلس الأمن وكل أحرار العالم يدركون أن حل الدولتين مهم حتى في أوقات التصعيد والتوتر، كذلك الولايات المتحدة الأمريكية تدرك كذلك أهمية هذا الحل.

لكن يبقى التساؤل: هل الظرف الإقليمي في ظل التصعيد الصهيوني والإنتقال للإغتيالات يسمح بتمرير مبادرة صينية؟

أغلب الظن أنه حتى لو تقدمت الصين بمبادرة مكتملة الأركان، فإن فرص الإعتماد على هذه المبادرة تبقى محدودة، خاصة في ظل حالة الاستقطاب في العلاقات الأمريكية-الصينية من ناحية أولى، وفي ظل حرص واشنطن على أن تكون اللاعب الأكثر تأثيراً في ملفات الشرق الأوسط، وعلى رأسها ملف الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني… فلن تسمح أمريكا لأي قوة دولية بأن تلعب دورا مهما كانت نجاعته في الشرق الأوسط لأنها تعتبر نفسها هي اللاعب الوحيد في الشرق الأوسط وأن إسرائيل هي كلبها وحارس مصالحها في المنطقة، وهو من يجعل المنطقة دائمة الإضطرراب وبالتالي المسك بقيود اللاعبة.

ثم لا ينبغي إغفال ترتيب الأولويات لدى صانع السياسة الخارجية الأمريكية في هذا الظرف، سواء فيما يتعلق بالحرب في أوكرانيا من ناحية أولى، أو ما يتعلق بقرب الانتخابات الرئاسية الأمريكية بعد عام ونصف، ومدى تأثير اللوبي اليهودي في تلك الانتخابات من ناحية ثانية، أمريكا تسعى بأن لا يوجد حل للنزاع القائم حتى بعد الإنتخابات الرئاسية.

ولن تتخلى الصين عن مناصرة القضية العادلة التي تتماهى مع مبادئها وقيمها الإنسانية، ولن تتخلى عن دعم الحقوق الفلسطينية في المحافل الدولية، والمطالبة بمواقف متوازنة.

By admin