الأربعاء. فبراير 28th, 2024

إعداد فاتن جباري قسم العلاقات الدولية والشؤون الاستراتيجية

مراجعة: الدكتورة بدرة قعلول

تونس 21-12-2023

    على مر العصور شكل بحر الصين الجنوبي موقعا عالميا دراماتيكي، كطريق تجارية استراتيجية تستضيف الجزء الأكبر من التجارة العالمية.هو معبر لنحو ثلث الشحن البحري في العالم تطل عليه 6 دول هي: الصين وفيتنام والفلبين وتايوان وماليزيا وبروناي، وتتنازع فيما بينها من أجل السيادة على أجزاء منه  ومنذ عدة قرون والتوتر حوله في تصاعد مستمر.

يحتل الصراع على النفوذ في بحر جنوب الصين أهمية متزايدة، وبات ينذر بخطر كبير، ليس بسبب مصالح الدول المشتركة فيه فحسب، وإنما كذلك للتنافس الدولي المتنامي الذي عززه صعود الصين بصفتها قوة اقتصادية عالميا ستفتك الرقم “1” الى أفق العام 2030 بما يجعلها قادرة على منافسة الولايات المتحدة وأوروبا سويا.

 حظي بحر الصين الجنوبي باهتمام أصحاب المصلحة الإقليميين والدوليين، وربط المحيطين الهندي والهادئ عبر “مضيق ملقا”، زاد من أهميته خلال السنوات الأخيرة. وتقدر احتياطيات النفط والغاز الطبيعي في هذا البحر بين 23 مليارا و30 مليار طن من النفط، و190 تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي.

إضافة إلى أنه غني بالثروات المعدنية والسمكية التي تعد ضرورية للأمن الغذائي للملايين في منطقة جنوب شرق آسيا. ويحتوي بحر جنوب الصين على عدة مجموعات أو أرخبيل جزر صغيرة غير مأهولة في الغالب، وشعاب مرجانية وجبال تحت البحر يبلغ عددها مئات.  وزاد من أهمية البحر الإستراتيجية خطوط الكابلات الحيوية الممتدة عبر البحر لخدمات الاتصالات الدولية، مما جعله محط أنظار دول بعيدة وقريبة.

أنه لغز جيو- استراتيجي للصراع الأمريكي الصيني… أمريكا التي تسعى الى رسم موطئ قدم هناك.

“بريسبان” و”بيرث” و”داروين” هي قواعد بحرية لإيواء حاملات الطائرات الأمريكية المجهزة بالسلاح النووي لغلق المنافذ البحرية أمام الصين، ومنذ 2012 سعت وزارة الدفاع الأمريكية الى زيادة أسطولها البحري في منطقة غرب المحيط الهادي وشرق أسيا إلى 60 في المائة سنة 2020، وتشمل الخطة الاحتفاظ بست حاملات طائرات وغواصات وطرادات ومدمرات وسفن قتالية ساحلية.

يتبادل الصينيون والأميركيون الاتهامات بعسكرة بحر جنوب الصين، مما أدى إلى مخاوف من أن تتجه المنطقة تدريجيا إلى نقطة احتكاك، وأن عواقب أي صدام فيها قد تكون وخيمة على النطاق العالمي وتشمل نزاعات بحر جنوب الصين الجزر والشعاب المرجانية والضفاف وغيرها من المناطق، بما فيها جزر سبراتلي وباراسيل ومنطقة سكاربورو الضحلة وحدود مختلفة في خليج تونكين.

ورغم أن ادعاء الأميركيين بعدم الانحياز لطرف ضد آخر في النزاعات الإقليمية بين كل من الدول المتنازعة، فإن سفنهم الحربية وطائراتهم العسكرية تجوب المنطقة باعتبارها مياها دولية بما فيها المناطق القريبة من جزر متنازع عليها ضمن أنشطة يطلقون عليها “عمليات حرية الملاحة” ويقولون إنها تهدف إلى إبقاء طرق الملاحة البحرية والجوية مفتوحة للجميع، في الوقت نفسه أدت مطالبات الصين الإقليمية والتوسع البحري في بحر الصين الجنوبي إلى إشعال التوترات مع جيرانها، بما في ذلك الفلبين وفيتنام وتايوان وماليزيا وبروناي.

تكمن أهمية جزر بحر الصين الجنوبي في أنها مداخل جغرافية للبحر، وأن السيطرة عليها منذ التاريخ كانت باكتشاف صيني محض  للتأثير في حركتي التجارة والملاحة العالميتَين، لذلك فإن كل تهديد بإغلاقها يترك آثارا سلبية جمة على الدول التي تعتمد على السفن في تجارتها.

وتطالب الفلبين وماليزيا وفيتنام وسلطنة بروناي بالسيادة على مناطق متداخلة من هذا البحر، بينما تصر الصين على أنها صاحبة حق تاريخي فيه وفقا لسجلات تاريخية تستند إليها على اعتبار وأن الصينيين القدماء هم الذين اكتشفوه بالقرن الثاني قبل الميلاد وبالاستعانة بمبررات تاريخية، سخرت بكين سجلات عمرها آلاف السنين لتعزيز تأكيداتها الإقليمية. ومن أجل مصالحها الاقتصادية، تسعى الصين بنشاط إلى تعزيز طرقها البحرية وزيادة وارداتها النفطية عبر بحر الصين الجنوبي

وإضافة إلى دورها كمنطقة صيد حيوية، فإن المنطقة غنية بالموارد الطبيعية، ويُتوقع احتوائها على كميات هائلة من النفط والغاز الطبيعي. كما أقامت الصين منصة نفطية جنوب جزر باراسيل، وهي خطوة أثارت مخاوف بين الدول المجاورة.

بحر الصين الجنوبي متفرع من المحيط الهادي، وتنبع أهميته الاستراتيجية من عبور ثلث الشحنات البحرية العالمية من مياهه. ومنذ أعوام طويلة، تتنازع كل من الفلبين وفيتنام وماليزيا وبروناي  فضلا عن الصين، على السيادة على بحر الصين الجنوبي، وسط تصاعد التوترات في الأعوام الأخيرة بكين أكدت و أن 80 بالمئة من بحر الصين الجنوبي يقع ضمن مياهها الإقليمية، فيما تتهمها الولايات المتحدة الأمريكية بـ “عسكرة المنطقة”.

إضافة لذلك أدركت الصين أن أمريكا تحاول تضييق الخناق على تجارتها كورقة ضغط للمساومة، مما يجعل سفنها عرضة للتهديد الأمريكي فاعتمدت على عدة استراتيجيات وكان من أبرزها طريق الحرير، وهو عبارة عن مشروع ضخم لربط 68 دولة في أسيا وأفريقيا وأوروبا، بطرق برية وسكك حديدية وخطوط ملاحة، والذي يهدف لربط الصين مع ثلثي سكان العالم بعيدا عن النفوذ الأمريكي ثم أنشأت قناة “نيكارجوا” التي تربط المحيط الهادئ بالمحيط الأطلنطي وتعد بديلا عن قناة بنما الأمريكية ثم  “الممر الشمالي الغربي” بديل عن قناة السويس ثم قناة “برزخ كرايسثموس” في تايلاند كبديل عن قناة مالقا تحت الوصاية الأمريكية ثم ممر التنمية الباكستاني والذي أعلن عنه عام 2015 لربط غرب الصين بميناء جوادر المطل على خليج بحر العرب كذلك اعتمدت على “استراتيجية اللؤلؤ” ببناء قواعد عسكرية منشرة في مناطق عدة جيبوتي، سيريلنكا، باكستان وخليج هرمزلتأمين واردات النفط  والغاز من كل العالم كما أعلنت الصين في 2018 عن إبرامها عقود لشراء النفط باليوان المغطى بالذهب، بالتوازي مع بدء التعامل بالعملية بين روسيا وكل من الصين تركيا والهند، في محاولة من عدة دول لكسر احتكار الدولار كعملة وحيدة للتجارة.

إن التنافس التكنولوجي يلعب دوراً أيضا، فتايوان هي أراضي صينية، وتشكل جزءا من أراضيها، وفي المقابل هي مركز تصنيع مهم للدول الغربية، وخاصة في إنتاج أشباه الموصلات. وأصبح الخلاف حول مكانة تايوان أكثر سخونة وسط محاولات الولايات المتحدة منع وصول الصين إلى هذه الرقائق المتقدمة وفصلها نهائيا عن أرضها الأم الصين في عملية ضرب لوحدة الأراضي الصينية.

في السياق الأوسع لتنافسهم التكنولوجي هناك العديد من الكابلات الموجودة تحت البحر والتي تعد بمثابة العمود الفقري لاتصال الإنترنت العالمي.

الى حدود 2023  تواصل الصين تطوير شبكة الكابلات الخاصة بها، والتي تربط آسيا وأوروبا، لتحدي عمالقة التكنولوجيا في الولايات المتحدة مثل ألفابت، وأمازون، وميتا، ومايكروسوفت، الذين يتحكمون حاليًا في معظم هذه الكابلات.

أدت المواجهة الأخيرة بين الصين والأطراف  المدعومة من قبل الولايات المتحدة منها تايوان والفيليبين  إلى تصعيد التوترات الإقليمية، وطبعا بإيعاز أمريكي. كما اعترضت سفن صينية قاربًا فلبينيًا كان يحمل إمدادات لجنود فلبينيين متمركزين في جزر سبراتلي ببحر الصين الجنوبي وقامت 3 طرادات تابعة للبحرية الصينية، بإطلاق خراطيم المياه لرش سفن خفر السواحل الفلبينية، وفقًا لصور ولقطات مصورة نشرتها الفلبين.

وسط توترات طويلة الأمد، تجاهلت الصين حكماً أصدرته “لاهاي” قدمته الفلبين في عام 2016، والذي قال إن الصين ليس لها حق تاريخي في البحار. كما شهدت فيتنام مناوشات مع الصين، إذ سعى الفيليبين إلى تعزيز العلاقات العسكرية مع الولايات المتحدة وهذا ما عملت وتعمل عليه الأخيرة من أجل الضغط والتضييق على الصين والسيطرة على المنطقة الآسيوية.

كثيراً ما أدانت الولايات المتحدة تصرفات بكين وسعت إلى ردعها من خلال التعاون العسكري مع جيران الصين. أجرت دول أوروبية مثل المملكة المتحدة وفرنسا دوريات بحرية في بحر الصين الجنوبي لضمان حرية الملاحة للتجارة، مع محاولة منع العداء المفرط تجاه الصين.

بينما ما تزال الصين تحاول تأكيد وجودها إقليمياً، فإنها قد تدفع الفلبين أيضا للتخلي عن النفوذ الأمريكي، حيث إنها تهدف منذ فترة طويلة إلى إخراج الوجود العسكري لواشنطن في المنطقة والوفاء بمطالبها الإقليمية. وسط هذه المناورات تشجع الصين الفلبين على الدخول في حوار، ومن المتوقع إجراء محادثات لإيجاد أرضية مشتركة بشأن هذه القضية الخلافية.

أعربت كل من “مانيلا” وبكين عن رغبتهما في تهدئة التوتر الأخير ومع ذلك، من الواضح أن طموحات الصين ومحاولات واشنطن لدعم النظام الإقليمي الذي تقوده ما زالت من القضايا البارزة. ورغم الخلافات الإقليمية، نجحت الصين بتنمية العلاقات الاقتصادية مع رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) في السنوات الأخيرة، ما قد يعقد جهود الولايات المتحدة لتشكيل تحالف ضد الصين رغم أن دول آسيان تبنت الدعم العسكري الأمريكي ولكن ما تزال هناك مخاوف من أن العسكرة المستمرة يمكن أن تؤدي عن غير قصد إلى نزاع عرضي.

وقد أثبتت حوادث متعددة، مثل اتهام الولايات المتحدة لسفينة بحرية صينية بإجراء مناورات “غير آمنة” قرب مدمرة أمريكية في مضيق تايوان. وكثفت الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون عبور السفن على أساس مبدأ “حرية الملاحة” في كل من مضيق تايوان وبحر الصين الجنوبي للتأكيد على أنهما ممران مائيان دوليان، ما أثار غضب بكين.

تايوان وكوريا الجنوبية سيول الحليف الوثيق للولايات المتحدة، قالت أنها ستواصل الدفاع عن السلام والاستقرار في مضيق تايوان وحرية الملاحة في بحر الصين الشرقي والجنوبي لمواجهة التهديدات المتزايدة من كوريا الشمالية المسلحة نوويا. لقد أسفر ذلك على أن الحلفاء الثلاثة قد شكلوا فصلاً جديداً  من التعاون الأمني الوثيق الثلاثي  بعقد قمة تاريخية في كامب ديفيد بالولايات المتحدة.

الصين وكوريا الشمالية متحالفان استراتيجيان لروسيا، الحلفاء الثلاثة أطلقوا “مبادرات ثلاثية جديدة” لمواجهة التهديدات  من خلال محاولات تغيير الوضع الراهن بالقوة المتنامية والخطيرة بما في ذلك التعاون العسكري والتحالفات البحرية المشتركة لتعميق التعاون بين خفر السواحل.  

كما تشير تقارير سرية وأن  وزراء دفاع الدول الحليفة قد اتفقوا على تفعيل عملية لتبادل البيانات في الوقت الحقيقي بشأن إطلاق الصواريخ الكورية الشمالية ووضع أقمار للتجسس الاصطناعي وتجارب باستخدام التكنولوجيا البالستية المستخدمة في عمليات إطلاق صواريخ، وصواريخ فضاء…علاوة على المساعدات العسكرية من موسكو.  

بالنسبة الى واشنطن قد يكون 2027 كجدول زمني محتمل لغزو. ولكن حتى لو اندلع الصراع، فمن المرجح أن تعمل الصين والولايات المتحدة على تجنب الانزلاق المباشر في حرب شاملة  فكلاهما لديهما ترابط اقتصادي عميق ويتفهمان الآثار الكارثية لمثل هذا الصراع.

By admin