الخميس. مايو 30th, 2024

إعداد فاتن جباري قسم العلاقات الدولية والشؤون الاستراتيجية

مراجعة: الدكتورة بدرة قعلول  

تونس 04-12-2023

  وفق أحدث التقارير الصادرة عن الوكالة المركزية الأمريكية طلبت إدارة بايدن منح 14.3 مليار دولار إضافية لإسرائيل من أجل مواصلة  العملية الحربية ضد قطاع غزة بالإضافة إلى السخاء السنوي الذي تقدمه الإدارة الامريكية من دون شروط للراعي الرسمي للكيان الصهيوني .

أمريكا التي بات يُنظر لها على نطاق عالمي واسع كوصمة عار لسبب وجيه، بإعتبارها تتقاسم المسؤولية عن واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية منذ الحرب العالمية الثانية… لقد تحولت شرعية  الرئيس الأمريكي “بايدن” الى محل سخط شعبوي أمريكي وكونغرس منقسم جدا.

حيث يوجه الرأي العام أصابع الإتهام ضد الرئيس الأمريكي الذي إعتمد “نظام دولي قائم على القواعد” بما ورط سمعة الدولة الامريكية في دماء حرب غزة  وبالتالي فأن مشهدية هذا المتورط جعلت منه “شخصية إجرامية”  خاصة “كاذبة” وتردد الأكاذيب الصهيونية من دون تأكد… ومنها يصبح بايدن شخصية فاقدة لكل شرعية في البقاء على رأس السلطة أو حتى إعادة إنتخابه، وهو ما تحاول الدعاية الأمريكية التعتيم عليه  .

ما زالت استطلاعات الرأي الأمريكية تؤكد تراجع شعبية الرئيس الأمريكي الحالي جو بايدن، في أدنى مستوياته تزامنا مع الانتخابات حيث أظهر استطلاع حديث للرأي أجرته وكالة رويترز للأنباء وشركة إبسوس للدراسات والأبحاث، من 59% سنة 2020 إلى 17% حاليا في أحدث بيانات أثارت مخاوف حول محاولة الرئيس الديمقراطي الفوز في سباق إعادة انتخابه العام المقبل.

 الحقيقة بدأت تتكشف أمام الجمهور الأمريكي  الأكثر متابعة للفيديوهات الحصرية عبر وسائل التواصل الاجتماعي بعد هجوم إسرائيل وقتل آلاف الأبرياء والأطفال وتدمير مدن بالكامل والسخط العام الدولي ضد الجشع الصهيوني الممول للحرب من جيب الخزينة الأمريكية ودافعي الضرائب الأمريكيين، وأصبح الأمريكيون يعون أن إسرائيل  تتعمد سياسات المغالطات بما جعل بايدن يدور في فلك نتنياهو المتحكم في مستنقع الحرب ما جرّ أمريكا الى وحل ملوث بدماء الأبرياء   .

   منذ مظاهرات وإحتجاجات 7من أكتوبر في كل من العاصمة البريطانية لندن، ثم وكندا وفرنسا والمانيا… وغيرها من معسكر الدول الغربية تشكل طوفان شعبي   بقيادة الولايات المتحدة، يدين الدعم اللامحدود للكيان الصهيوني الذي يتولى مصالحهم في منطقة غرب آسيا، بما تحوّل الى عدوان غربي مشترك من قبل زعماء الغرب ضد حقوق الشعب الفلسطيني، ولقد أظهر هذا الطوفان العالمي ضد الساسة موجة معادية لسياسة المكيالين الإستكبارية ضد الشعوب الضعيفة وأن شعار “حقوق الإنسان” أكبر كذبة يعيشها العالم.

وبات هناك العديد من المؤشرات حول هذا الطوفان أين تظهر دراسات استقصائية عن جامعة فرانكفورت بخصوص  تنامي انجذاب الشباب الغربي وتحديداً الأمريكي للتعرف على الدين الإسلامي، بالتزامن مع تنامي مشاعر المعاداة للصهيونية.

وهذا ما يشكّل ضرباً لكل جهود ومحاولات المعسكر الغربي طوال العقود السابقة تقريباً منذ إنتهاء الحرب الباردة وسيادة القطب الأمريكي على العالم، الذي كان يسعى لتحقيق نتائج عكسية: فرض “الإسلاموفوبيا” والترويج  لمعادات السامية وتقبّل الشعوب لنشوء إسرائيل وتعميم رواية محرقة اليهود “الهوليكوست” وطمس القضية الفلسطينية.

يستعرض  مقال صادر عن الصحيفة العبرية أحرنوت، إحدى الظواهر الجديدة التي بدأت إثر العدوان الأمريكي الإسرائيلي على غزة، في أنتشار تعاطف ديني كبير مع الإسلام وصمود الشعب الفلسطيني بطريقة مغايرة للصورة النمطية، التي دأبت آلة البروباغندا الأمريكية الغربية الترويج لها عن الإسلام وعلاقته بالإرهاب.

في مقابل تنامي المعاداة للصهيونية مثل المظاهرات وحملات الإلكترونية ورسوم فوتوغرافية، دلّت على أن هناك تيار شبابي واسع، بات ينظر الى إسرائيل والحركة الصهيونية بطريقة عدائية، والتي تحاول الدول الغربية التصدي لها بشكل ظالم تحت عنوان “معاداة السامية” ولكنها لم تفلح فقد إنكشف المستور وظهرت حقيقة الكيان الصهيوني المتورط في الإحتلال ودماء الأطفال والنساء والأبرياء فلم يسلم لا البشر ولا الطبيعة ولا الحيوان.

في مقال أشار فيه الفيلسوف السلوفيني “سلافوي جيجك” تحت عنوان “الجذور الجديدة لمعاداة السامية”، بأن المشروع الصهيوني أصبح مصدرًا رئيسيًا لمعاداة السامية على مستوى العالم بعد أن أصبح مرتبطًا بالمستوطنات والأرض المحروقة مشيراً إلى أن هنالك الكثير من الشباب اليساري في الغرب ممن باتوا يتعاطفون مع حماس وليس مع إسرائيل مبيناً بأن هناك تعاطف متزايد مع الفلسطينيين باعتبارهم ضحايا، فضلاً عن الإعتراف بحقهم في المقاومة من أجل الأرض .

“دبلوماسية الرعب” قدمت البعثة الدائمة للولايات المتحدة مشروع قرار لمجلس الأمن، سربت الصحافة فحواه، يؤكد منهجية دبلوماسية الرعب ويؤكد حق الاحتلال في الدفاع عن نفسه، مؤكداً على أن ما تقوم به المقاومة ما هو إلا إرهاب يهدد السلام والأمن في منطقة الشرق الأوسط وفي العالم بل ويهدم الإستقرار العالمي لأنه أصبح غير موثوق به، بغعتبارهم قد تجاهلوا حق شعوب المقر في ميثاق الأمم المتحدة في مقاومة المحتل، كما يدعو مشروع القرار إلى حماية المدنيين الذين يحاولون “النجاة بأنفسهم” في رسالة تهديدية واضحة للمدنيين، وفي نفس الوقت لم يشر مشروع القرار إلى دخول ليكون عقاباً آخر يضاف إلى العقاب العسكري الذي تصبه طائرات “أف 16” لقصف المستشفيات والمنازل ودور العبادة والمقارات الرسمية الحكومة وخزانات الماء…. وهو قرار تم تمريره مقابل استخدام حق النقض “فيتو” ضد مشروع قرار صاغته البرازيل يدعو إلى هدنة إنسانية والسماح بدخول المساعدات إلى غزة.

إن استمرار الهجوم على غزة جعل من الرأي العام الدولي أكثر وعياً بمدى فشل الدور الأمريكي المهيمن على مدى عقود من “عملية السلام” في الشرق الأوسط – والتي عملت فيها الولايات المتحدة في كثير من الأحيان كمدافع لإسرائيل، وهي نقطة يستغلها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وهذا يعني تراجع الرغبة الأجنبية في التطلع إلى الولايات المتحدة من أجل القيادة في التعامل ليس فقط مع هذا الصراع الدولي، بل أيضًا مع الصراعات الأخرى ويعني ذلك فرصة للقوى المتنافسة للعب دور أكبر كصانعي سلام. وكانت الصين قد بدأت بالفعل في القيام بذلك في الشرق الأوسط، لتوسيع دورها الإقليمي ترويجا للغة السلام الإنساني المشترك وخاصةبتسوية الصراع السعودي الإيراني وإنهاء الحرب في اليمن ولكن أمريكا والصهيونية لا تريد ذلك لأن قيامها مبني على الفتنة والصراعات في العالم من أجل السيطرة والهيمنة وإقامة دولة الكيان الصهيوني…

إن الضرر الذي يلحق بمصالح الولايات المتحدة لا يتعلق فقط بالمصداقية  بل أيضاً بالاستياء والكراهية الدولية التي ولّدها دعم الولايات المتحدة للهجوم الإسرائيلي  حيث ستجد هذه الاخيرة حالة من القطيعة الأيديولوجية من ذلك الحملة العالمية لمقاطعة منتجات وخدمات الشركات الأمريكية في الشرق الأوسط .

في مقال نشره الموقع الأمريكي “Responsible Statecraft“   جاء فيه وان في ظل الدعم الأمريكي اللامحدود للكيان المؤقت، ستؤدي حتماً الى تدهور ما وصفه بـ”مصداقية الولايات المتحدة وسقوطها الأخلاقي”، بالإضافة الى خسارتها للكثير من مصالحها الاستراتيجية ولدورها القيادي في العالم.

 والإضطرابات التي تشهدها الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني تتراوح من كون الصراع مصدر تشتيت كبير لوقت صنع السياسات والاهتمام بعيدًا عن المسائل الملحة الأخرى، إلى الخطر الأكبر المتمثل في جر الولايات المتحدة بشكل مباشر إلى الصراع كلفت الخزانة الأمريكية أكثر من 300 مليار دولار في شكل مساعدات ضخمة غير مقيدة بشروط لإسرائيل.

ناهيك عن الحروب المفتوحة أمريكيا على جبهات أخرى  ما أثر في أمن المنطقة ككل على المستوى الجيواستراتيجي، الأمني والاقتصادي وهنا تتحمّل الولايات المتحدة لوحدها مسؤولية كلّ هذه الإخفاقات التي جعلتها مارقة عن سياسة التوازن بل خارحة عن كل شرعية دولية منذ تورطها في سجل حافل بالحروب والدمار  .

 إنّ هذه النكسات لهي الا نتيجة طبيعة للاستراتيجية الكبرى المضلّلة للهيمنة الليبرالية التّي ظلّ الديمقراطيون والجمهوريون يُتبعونها لسنوات

نظرا لسجلّها السيء عبر الربع قرن الأخير بات من الواضح أن أمريكا هي في نظر كل العالم اليوم دولة متغطرسة، مجرمة، فاقدة لشرعة السلام والأمن الدوليين  وأنها المساهم الرسمي والمباشر لقتل الأبرياء وعشارات الآلاف من المدنيين في فلسطين وأن القانون الدولي يمارس إلاّ على الضعفاء.

الولايات المتحدة الأمريكية قد فقدت مشروعيتها وشرعياتها فلم تعد شرطي العالم  ففي المعسكر الشرقي قامت دول عظمى وتشكلت تحالفات وأقطاب عالمية ستضع الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد الأوروبي في مأزق وفي أزمات كبرى على جميع الأصعدة.

 وأستيقض العالم على تحولات جديدة بها مقاييس قوة اقطاب اقتصادية، وهندسة نووية عسكرية.

 كما أنّ الصين تتحدّى الآن الوضع القائم في المياه الإقليمية والمناورات العسكرية الأخيرة وكشفت الهاجس الأمريكي المعقد.

  أما أوروبا  فقامت روسيا بضمّ القرم، والمفاوضات الدائرة تقترب اكثر من وضع الرئيس الأوكراني زيلنسكي تحت وضع التنازلات كما أنّ العلاقات بين الولايات المتحدة وموسكو صارت في أدنى مستوياتها، بل في قطيعة لم يعرف لها مثيل.

 ولا تزال القوات الأمريكية  تُقاتل في أفغانستان والعراق وسوريا وليبيا لكن بشكل محتشم جدا فلم تعد لها ذريعة للتواجد بعد هزيمتها الكبرى بسلاحا “الإرهاب” التي صنعته كفزاعة وبعد الخسارة وإنتهاء “الإرهاب”.

كما فقدت الولايات المتحدة الأمريكية أغلب قادتها الأصليين في العديد من الدول في العالم وإنقلب السحر عليها، فهؤولاء المغلوبين على أمرهم ويحكمون تحت الراية الصهيونية الأمريكية قد احتواهم المد الأسيوي والمعسكر الشرقي أمّا أفريقيا فباتت تحت مفعول التحرر كيف لا وأوروبا ذاتها باتت تتنصل من تبعية الأمريكي، يرجع ذلك في قسم كبير منه إلى قرارات الولايات المتحدة في تغيير النظام الفاشل  حيث عرفت الديمقراطية تراجعا في جميع أنحاء العالم، كما أنّ إستخدام الولايات المتحدة للتعذيب، عمليات القتل المستهدف وأزمة المناخ وغيرها من الممارسات المشبوهة، كانت قد شوهّت صورتها باعتبارها مدافعا مزيفا عن حقوق الإنسان والقانون الدولي سقط قناعه كانت أخر مظاهر الانحدار ما ارتكبته أمريكا في إشعال الحرب بمنطقة الشرق الاوسط مخلفة فداحة الدمار والانهيار في ظل سخط دولي ضد المسمى الأمريكي الذي بات منعوتا بمؤازرة جرائم الكيان الصهيوني والسقوط الأخلاقي وخرقه للقانون الدولي .

By admin