الأربعاء. فبراير 28th, 2024

فاتن جباري قسم العلاقات الدولية الشؤون الاستراتيجية

تقديم :

مع ازدياد نسبة عودة “إسرائيل” إلى مربع التصعيد بعد انتهاء الهدنة التي مُددت أخيراً،تتزايد مخاوف المستثمرين الدوليين. من تداعيات مخلفات الحرب على الاقتصاد الدولي والتي بدأت بالظهور مع بدء ارتفاع أسعار النفط والغاز. فيما يكمن القلق الأكبر من توسع رقعة الصراع ليشمل جبهات عدة خصوصا في منطقة البحر الأحمر أين يتموقع الممر الرئيسي للنفط و البترول كمورد لكل مناطق العالم  كما يمر 1.5 مليون برميل من النفط الخام يوميًا  عبر الممرات المائية الاستراتيجية وهو ما يدخل الاقتصاد العالمي في حالةٍ من اليقين وأن تواصل أمد الحرب سيجعل إسرائيل المتهمة الأولى بتفريع الاقتصاد و الأمن الدولي . كما تُعد الحرب الغربية الروسية في أوكرانيا، الدليل الأقربالذي يظهر الترابط المعقد بين المشهد الاقتصادي والجيوسياسي كما هي أزمة الولايات المتحدة الـأمريكية وتايوان ومشروع طريق الحرير الذي يتحدى طريق بن ٌغريون الرابط بين الهند و القارة الأوروبية …  

أولا – ممرات الاقتصاد العالمي وتهديدات أمن الملاحة البحري

تتأثر الأسواق المالية وأسعار الصرف والسلع بالصراعات الداخلية وبين الدول بل تؤدي  الى ارتفاع الأسعار قبل وخلال بدء العمليات العسكريةوعادة ما يكون تقييم التأثير الاقتصادي على المدى الطويل، أكثر تعقيداًلصعوبة التنبؤ بالآثار الدائمة حتى للأحداث التي تبدو دراماتيكية على سلوك المستثمرين ذلك أن انعدام الأمن هو عدو لأي إستثمار كان.

 أما الصراعات في الشرق الأوسطعلى وجه الخصوص  فقد أدت مباشرة إلى ارتفاع أسعار النفط  فالأحداث التي جرت في سبعينيات القرن الماضي خير دليل ، من الحظر الذي فرضته منظمة أوبك إلى انتصار الثورة الإسلامية في إيران ثم الحرب الإيرانية العراقية  ثم حرب الخليج الأولى وهذه المخلفات بقيت أثارها حتى اليوم ..

يقول الخبراء أنه إذا كانت المنطقةتحتوي على ما يقرب من ثلث إمدادات النفط العالمية، فإن أي عدم استقرار يمكن أن يخلق حالة من عدم اليقين في السوق بناء على المخاوف بشأن انقطاع إمدادات النفط العالمية. ومن هنا يتطلع المستثمرون إلى قدرة الولايات المتحدة في حصر المعارك ضمن  حيز ضيق ” قطاع غزة “كما تسعى إلى كبح مشاركة بقية الجبهات إلا أن الوضع القائم اليوم يبدو مختلفا وليس في صالح ما تريد أمريكا تجنبه على المدى الطويل  بداية من التهديد الإيراني ثم اليمني الذي أخذ على عاتقه  مهمة اقلاق السفن الإسرائيلية والأميركية في البحر الأحمر وباب المندب، -حتى لو لم يأخذ منحى تصاعدياً ان طال أمده سيكون كفيلاً بإدخال سلاسل التوريد حول العالم في دوامة من القلق.

ثانيا – الدور اليمني في شل حركة الاقتصاد الإسرائيلي

 تدخل اليمن بقوة في معركة طوفان الأقصى الى جانب جبهات لبنان والعراق، وقد ظهرت نتائجه التي جعلت المشهد الدولي أكثر تعقيداً، وشكلت ضغطاً مباشراً على الاسرائيلي ومن ورائه الأميركي، وساهم في التوصل الى الهدنة الراهنة، لكن الأهم ان الاقتصاد الإسرائيلي تضرر بشكل مباشر وثمة خسائر مالية واضحة وفق مقال نشره موقع” إسرائيل ديفنس”:

فمنذ إعلان اليمن المشاركة العلنية في الحرب ضد الكيان الصهيونيقام الجيش اليمني باستهداف السفن التابعة و المتجهة أو العابرة من الكيان، وميناء إيلات بالذات ومواقع أخرى إستراتيجية شلّت المدن الإسرائيليةوعرقلت حركة التجارة وانتقال البواخر من وإلى إسرائيل وإضعافها باعترافات قادة العدو وقد غيّرت قواعد المعركة وفتحت جبهة قتال مباشرة في البر والبحر والجو، ومازالت جبهة القتال مستمرة إذأطلق الحوثيون أيضًا صواريخ بالستية على المدمرة الأمريكية ومع ذلك، فإن تهديد الصواريخ وعمليات الاختطاف لا يزال قائما، ويهدد شركات الشحن التجارية. 

وفي ضوء التهديد الذي تتعرض له التجارة العالمية في بحر العرب والبحر الأحمرإلى جانب اختطاف السفن التجارية، حيث تضيف مصادر ان شركة N-Y-K، المالكة للسفينة الإسرائيلية والتي كانت قد اختطفت إلى اليمن قبل أسبوعأعادت بالفعل سفنها التي تنقل المركبات التي كان من المفترض أن تمر قبالة سواحل اليمن في طريقها إلى أوروبا، ويضيف مصدر آخر أن شركة الشحن العملاقة في الدنمارك، “ميرسك”، أن زوجًا من السفن المستأجرة ، ليزا وميرسك باجاني، سيتم تحويلهما عن مسارهما عندما يتم تفريغ حمولتهما في موانئ الإمارات المتحدة وهذا ما سيؤدي إلى تأخير لأكثر من أسبوع لأصحاب البضائع…

ثالثا – خزانات النفط العالمي أمام طريق مسدود

وفقاً لتحليل أجراه كبير الاقتصاديين في” بنك لئومي” جيل بوفمان، فإن الارتفاع الأخير في أسعار النفط من 86 دولاراً إلى 93 دولاراً للبرميل يشير إلى أن تأثير بدأ ينعكس بالفعل على أسعار الطاقة العالميةويأتي وقف تدفق “خزان تمار النفطي” كثاني أكبر خزان في الأراضي المحتلة بسبب قرب الخزان من ساحل غزة وتعرضه للهجمات، ضمن هذا الإطار أيضاً اذ أن المساهم الأكبر فيه هو العملاق الأميركي “شيفرون”.

 التوقف الاستباقي لتدفق الغاز من الخزان أدى إلى توقف الغاز إلى مصر عبر خط أنابيب غاز شرق المتوسط ومن المتوقع أن يؤثر ذلك على صادرات مصر من الغاز الطبيعي إلى أوروبا ودول أخرى كما أن التوترات التي حركتها الحرب الإسرائيلية في منطقة الخليج العربي أثرت على دول الخليج وهي مصدر رئيسي للغاز بما يكون لذلك آثار أخرى على أسعار الغاز العالمية.

رابعا – التحالفات العالمية الموازية و” المقاطعة ” الاقتصادية

هناك عامل آخر  خطير بالنسبة للمستثمرين أيضاً : لقد شنّت إسرائيل حربها على غزة توازياً مع إعادة تنظيم مختلف التحالفات العالمية ويمكن رؤية هذا من خلال التحول المستمر في السياسات التجارية في السنوات الأخيرة  فلقد عمدت الولايات المتحدة وبريطانيا مثلاًالى نقل النشاط الاقتصادي بما في ذلك مصادر أو تصنيع المنتجات من دول مختلفة خوفاً من الاعتماد على الموردين في المناطق التي يحتمل أن تكون معادية للقطب الأمريكي و موالية للمعسكر الشرقي بما فيها المناصرة للقضية الفلسطينية  خاصة وأن دولاً عظمى كالصين وروسيا امتنعتا عن إدانة المقاومة الفلسطينية وأعلنت موقفها الداعم للفلسطينيين ضد العدو الصهيوني  وهذا يشير إلى أن القضية الفلسطينية ترتبط بالاتجاه الأوسع نحو الانقسامات الجيوسياسية الجديدة.

أما من ناحية أخرى فتقول مجلة فور اين بوليسي  الاميركية عن جدوى المقاطعة الاقتصادية لعدد من الشركات والعلامات التجاريةوتشير في تقرير كيف  أثرت على شركات عدة لصالح دول أخرى  فالحرب التي تقودها إسرائيل ساعدة في إسقاط صناعة المشروبات الكحولية بأكملها في الولايات المتحدة ذاتها فكانت كوكاكولا واحدة من أولى العلامات التجارية التي أصبحت عالمية، وواحدة من أوائل العلامات التجارية التي وجدت نفسها على جانبي الحربفي تاريخه للشركة بل حتى كبرى الدول المروجة لهذه العلامة وجدت نفسها قيد الأغلاق  فمصر مثلا كانت تعد سوقاً رئيسياً لشركة كوكاكولا منذ الحرب العالمية الثانية حيث أعلن فرع الشركة المصري انحدار رقم معاملاته بعد حملة المقاطعة .

خلاصة :

ننتهي بالقول وأن توسعة الحرب والدخول الأمريكي العسكري الشامل يخدم مصلحة كل من الصين وروسيا وقد يعيد مسار السباق الأمريكي الصيني الروسي التنافسي إلى الوراء لصالح كل من بكين وموسكو فالحرب  الحرب الموسعة ارتدت لا فقط على الاقتصاد الدولي بل من صنعوا الحرب أصلا ،  فأمريكا التي تعاني اساساً من أزمات سياسية واقتصادية زادت أعبائها ،  ولم يعد لديها القدرة على حرب إقليمية أشمل ويعود هذا إلى عدة اعتبارات التداعيات العسكرية الخطيرة على الوجود الأمريكي في المنطقة والدول الغنية بالنفط التي تستضيف القواعد الأمريكية والغربية  كما أن الشعب الأمريكي  قد تعب من الحروب المكلفة منذ 2001 بما كلفها تريليونات الدولارات ، أزمة اللاجئين في أوروبا النزاع في أوكرانيا الذي يدمر أوروبا ويستنزف موارد الغرب ويعمق الانقسام والكراهية بين روسيا وأوروبا  ايضا الصراع المتنامي مع الصين في ملف تايوان و التحديات الاقتصادية وهذه العوامل مجتمعتا  في حال توسع الحرب ستجعل الأمر أسوأ للغرب وللاقتصاد العالمي  لذلك إن إطالة أمد حرب إسرائيل على الشعب الفلسطيني خاصة بمشاركة القوى الإقليمية الكبرى، يمكن أن يزيد من تسريع عملية إعادة الاصطفاف العالمية هذه ويكون له عواقب وخيمة على النمو الاقتصادي العالمي.

المراجع المعتمدة

  • مركز الدراسات العالمية لجامعة طهران
  • المجلة الأمريكية ريدرز دايجست
  • المجلة الأمريكية فور اين بوليسي
  • مجلس التعاون الخليجي

By admin