الخميس. مايو 30th, 2024

اعداد الدكتورة بدرة قعلول رئيسة المركز الدولي للدراسات الإستراتجية الأمنية والعسكرية

03-10-2023

ترتفع حدّة التوتر بين جمهورية الصين الشعبية والولايات المتحدة الأمريكية في وقت يشهد العالم فيه توترات حادة وإعادة تشكل جيوسياسي وإستراتيجي وفي أوقات حرجة قد زادت من مخاوف المراقبيين والمحليلين، ففي عملية إستفزازية حلقت طائرة أمريكية فوق بحر الصين الجنوبي وتم اعتراضها من قبل طائر مقاتلة صينية كانت جاهزة للمواجهة والهجوم وذلك في 25 فيفري 2023 ، حيث اعتبرت الصين تلك الحادثة انتهاك إلى سيادتها باعتبار أن الولايات المتحدة الأمريكية  اعترافت بأحقية الصين في السيطرة على تلك المنطقة، مما فسرته الصين انتهاك لسيادتها.

الأهمية الجيوسياسية والإستراتجية للبحر الجنوبي للصين

يمتلك بحر الصين الجنوبي أهمية جيوسياسية واستراتيجية، حيث يقع بحر الصين الجنوبي في جنوب شرق آسيا ممتدا من مضيق في الجنوب الغربي لمضيق تايوان في الشمال الشرقي، ويعتبر مهم  جدا لطرق المواصلات البحرية التي تتميز بالكثافة النشاط التجاري وكثافة السكان للدول المشاطئة ومنها تايلاند، فلبين، الصين، إندونيسيا، كمبوديا، سنغافورة، بروناي، ماليزيا، وهو أحد أهم ممرات التجارة العالمية تصل نسبة الحافلات العالمية التي تمر من خلالها إلى حوالي أكثر من نصف أسطول تجارة العالمي، مع إحتوائه على كميات كبيرة من النفط والغاز الطبيعي حيث يصل إلى حوالي 11مليار برميل من النفط 190 تريليون قدم مكعب من غاز الطبيعي وذلك وفقا لتقدير إدارة الطاقة الأمريكية.

تتمسك الصين بالمنطقة  لعدة  أسباب حيث تستخدم المنطقة لتواصل الإقليمي لدول الأخرى ولكن تحول بحر الصين الجنوبي إلى منطقة صراع بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين بسبب نشر أمريكا قواتها العسكرية يشكل مكثف، وبالإضافة إلى القوات الصينية.

كما تحاول الصين السيطرة على الجزر المتواجدة في تلك المنطقة باعتبارها مناطق ومحطات تستطيع نشر التسهيلات فيها ومراقبة التجارة وجمع المعلومات، حيث تشعر الصين بتهدد بسبب التواجد الأمريكي نظرا أن حوالي من 60٪من تجارتها تمر عن طرق المنطقة، بالإضافة إلى أهمية المنطقة لأمريكا حيث اعتبرها أحد أهم طرق لمصالحها الحيوية والدخول الحر إلى النطاقات البحرية الآسيوية حيث تسعى على نشر القوات للسيطرة بشكل مكثف من الروابط والالتزامات الأمنية لسيطرة على أنحاء الجزر.

كل من الولايات المتحدة الأمريكية والصين دولتان تعملان على السيطرة على بحر الصين الجنوبي لحساب مصلحتها القومية.

1- تسعى الولايات المتحدة الأمريكية للاستمرار في السيطرة العلمية وتكريس هيمنتها العالمية في جميع أنحاء العالم. الأمر الذي دفع السياسة الأمريكية لتبني استراتيجية لعرقلة نمو وتنمية الصين من خلال استفزازها بتواجد في مضيق تايوان، الأمر الثاني وهو احياء برنامج الردع الدفاعي الأمريكي لتفويض الصين مثل ما حدث مع الاتحاد السوفيتي السابق، وذلك من خلال التواجد العسكري الاستراتيجي في المنطقة حيث عمدت على إقامة علاقات تعاونية مع دول الجوار الصيني ومنها اليابان التي تلعب دورا هاما بالإضافة إلى كوريا الجنوبية والمناورات العسكرية المستمر بل عملت أيضا على إقامة اتفاقيات متعددة مع دول اندونيسيا، سنغافورة، بروناي حتى تتمكن من تطويق الصين بالإعتماد على سياسة الاحتواء مع استمرار التدريبات العسكرية بشكل دوري بين الدول وتواجدها الذي من شأنه يهدد الأمن القومي الصيني.

2- تحاول الصين السيطرة الإقليمية وتأمين محيطها الإقليمي وتامين مصالحها التجارية والغقتصادية وبحر الصين الجنوبي يعتبر منطقة نفوذها. وتسعى الصين لتكون قوة عالمية مهيمنة كذلك، فهي تحاول بسط سيطرتها على بحر الصين الجنوبي نظرا لما يحتويه من مقدرات قد ذكرت في الأهمية الجيوسياسية والاستراتيجية حيث تبنت البحرية الصينية عقيدة واستراتيجية  الدفاع الفعال عن المناطق البحرية البعيدة نسبيًا عن الشواطئ، حيث سعت الصين السيطرة إقليما في البداية على المنطقة مما أدى إلى تصادم بين الصين والدول المشاطئة لبحر الصين الجنوبي ومنها الفيتنام، سنغافورة، اليابان، اندونيسيا، الفلبين، تايوان، ماليزيا، ومنظمة آسيان، ولكن ورغم التصادم استطاعت الصين جذب الدول للعمل في رحابها والعمل معها في أكثر من جانب. كما سيطرت الصين على البحار ضمن سلسلة الجزر الاولى حيث تسيطر على المنطقة بأكملها ومنها مضيق تايوان، وبحر الصين الجنوبي، بالإضافة إلى اتباع استراتيجية توسعية تدريجية في بحر الصين الجنوبي فبدأت الصين في إظهار قوتها العسكرية من خلال تطوير الطائرات ذات القواعد العسكرية لجيش التحرير الصيني مع إقامة علاقات استراتيجية على طول ممرات البحرية في بحر الصين الجنوبي والتي تعكس أن الصين لا تعمل على تحديد المواقع الهجومية والدفاعية فقط بل تعمل على خدمة اهداف واسعة النطاق فقد جمعت كافة قواتها البحرية، والبرية، الجوية حتى تتمكن من المواجهة.

الصين تخلق قطبا إقليميا في منطقة البحر الجنوبي

استطاعت الصين السيطرة على الدول المجاورة أو ما يعرف بالمحيط الإقليمي حيث عملت على جعل الدول تعمل ضمن حلف متكامل ومتعاون، ومنها دول إندونيسيا، الفلبين، فيتنام، ومنظمة آسيان حيث نجد خلافات بين منظمة آسيان  والصين بشأن بحر الصين الجنوبي حول المشهد المستقبلي وقواعد الاستقرار وتحقيق الأمن في المنطقة، بالإضافة إلى خشية دول في جنوب شرق آسيا الدخول في محاولة التسلح حتى لا يترتب عليها سباق تسلح في ظل الهوة العسكرية بين بكين والدول جنوب شرق آسيا ومنها شعرت الولايات المتحدة الأمريكية بتهديد الصين لذلك عملت على التواجد العسكري وإقامة علاقات واتفاقيات مع دول الجوار.

السيناريو المتوقع مستقبلا:  تراجع أمريكي في المنطقة وانتصار صيني

النزاع في بحر الصين الجنوبي في صعود قوة الصين حيث تصير الصين هي القوى الكبرى الجديدة في المقابل نجد تقويض أو تراجع القوى الأمريكية وذلك لعدة أسباب أخرى سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي، لكن توضح معظم  المؤشرات استمرار الوضع على ما هو عليه في بحر الصين الجنوبي ولن يتطور الصراع إلى حالة من الحرب الشاملة بين الدول المتنازعة فعلى الرغم من التحركات الصينية المبالغ فيها إلا أنه لم تحاول واشنطن الوقوف بشكل مباشر ضد تلك التحركات، يؤكد بعض الباحثين في حالة حدوث صراع عنيف في المنطقة ستكون الغلبة للصين بسبب مركز انتشار القواعد العسكرية في الجزر وخاصة الجزر الصناعية.

الخلاصة:

حذر صيني أمريكي كبير للتعاطي مع موضوع بحر الصين الجنوبي وكلا الطرفين يحشد ما إستطاع من التحالفات الإقليمية وما إستطاع من القوة العسكرية.

سيظل الوضع في مراحله الحالية على ما هو عليه ولن يكون هناك تقدم لكلا الطرفين لا من بيكين ولا من واشنطن فكلاهما يعلمان أن تمّ ارتكاب فعل تصعيدي قد يجعلهما يدفعان ثمن ذلك جراء حرب يعلمان أن ذلك سيعود بالأثر السلبي عليهما، لذلك سيظل الوضع على ما هو عليه تحاول الدولتين بتحقيق التوازن في المنطقة فقط.

وذلك لا يمنع من حدوث مواقف أو مناوشات قد تعكر صفو العلاقات لكن سيظل التوازن في المنطقة قائم بين القوتين.

واشنطن تدرك تماما قوة الصين العسكرية من جهة وقوتها الاقتصادية حيث تعتبر الصين من أكبر دول التي تحمل سندات وأسهم أمريكية، لكذلك لن تغامر بالدخول مع الصين في حرب ومواجهة عسكرية مباشرة يمكن من خلالها أن تحضى بهزيمة كبرى تقضي على طموحاتها العالمية وعلى إسم الولايات المتحدة الأمريكية.

By amine