الأثنين. يونيو 17th, 2024

عادل الحبلاني: قسم البحوث والدراسات

لا تزال الولايات المتحدة الأمريكية تواصل عملياتها الاستفزازية ومحاولاتها اخضاع القوى العظمى على غرار روسيا الاتحادية وجمهورية الصين الشعبية، عبر استثمار كل الطرق التي من شأنها أن تحفظ لها مكانتها الريادية التي حضيت بها لعقود طويلة سيما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وتراجع قوة الامبراطورية الصينية في الشرق، وعلى الرغم من المعطيات والدلائل التي تشير وتأكد على تغير موازين القوى في العالم وتعدد أقطابه والتغير الجوهري الحاصل في العلاقات الدولية وفي ثقافة الدول على قلة قوتها الدولية والاقليمية، الا أن الولايات المتحدة لم تغير بعد من ثقافة سياساتها الخارجية القائمة أساسا على التدخل في شؤون الدول وأزماتها الداخلية،غير مدركة بعد لعدم صلوحية مثل هذه السياسات في العالم الجديد وانقضائها بشكل كلي، كما أنها لم تدرك بعد أن مثل هذة السياسات مردود عليها بكل الوسائل السلمية والعسكرية المعلنة والغير معلومة، فالتدخل الأمريكي اليوم في الأزمة بين تايوان وجمهورية الصين الشعبية والدعم السياسي والمالي الذي تقدمه واشنطن لتايوان يمكن اعتباره نوع من التهور الذي سيدخلها في أزمة اقتصادية وعسكرية غير مسبوقة في تاريخها، زاد من حدتها ما سمي «بالتوقف» على خلفية ترتيب واشنطن لزيارة «لاي تشينغ لي» الى أمريكا وهو نائب رئيس حكومة تايوان والمرشح الأبرز للولاية القادمة والأكثر مغازلة لواشنطن في انتهاك صارح للبيانات الثلاثة الموقعة في سنة 1982.

جمهورية الصين الشعبية موحدة ولا مجال لأي انفصال لجزيرة تايوان

لا يمكن قراءة ما جاء على لسان المتحدث باسم وزارة خارجية جمهورية الصين الشعبية الموحدة على أنها مجرد ردود أفعال كلامية مرتبطة أساسا بما قد يترتب عن زياره «لاي تشينغ لي» الى أمريكا، فمثل هذه القراءة فيها من الاجحاف ومن عدم القدرة على فهم الموقف الرسمي الصيني والخطوط الحمراء التي قد تثير حربا طاحنة في مذيق تايوان مع كل من تسول له سياساته المتهورة دعم فكرة استقلال جزيرة تايوان عن جمهورية الصين الشعبية الموحدة، فموقف الخارجية الصينية الذي وصف « لاي تشينغ لي» بالمثير للمشاكل من قمة رأسه الى أخمص قدميه، والذي اعتبر في الآن نفسه أن هذا الترتيب لمشاركة هذا الأخير في أنشطة سياسية في الولايات المتحدة تحت مسمى التوقف هو تعدى وانتهاك بشكل خطير لمبدأ الصين الواحدة ومحاولات لتقويض سيادة الصين وسلامة آراضيها، وهو محاولة بائسة لاحتواء الصين عبر استغلال تايوان، وتعود حدة الموقف وبيان الخارجية الصينية الى عاملين أساسيين تقريبا.

 أما العامل الأول فهو عامل تاريخي يتمثل أساسا في كون تايوان هي بالأساس آراضي صينية وأن ليس هناك مجال ولا امكانية لاقامة أي دولة داخل الدولة الواحدة والموحدة الصين الشعبية، وذلك اما بالعودة الى ما اتفق عليه المجتمع الدولي وتمخض عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في سنة 1971 والذي يوكد أن حكومة جمهورية الصين الشعبية هي الممثل القانوني الوحيد للصين في منظمة الأمم المتحدة وأن «تايبيه» هي جزيرة تخضع لسيادة جمهورية الصين الشعبية، وأنه وعلى هذا الأساس الذي أقامت عليه 181 دولة علاقاتها الديبلوماسية والاقتصادية والتجارية مع جمهورية الصين الشعبية ومن بينهم أمريكا تدار العلاقات الخارجية مع بقية الدول وخلافا لذلك فهو تعدى غير مسموح لسيادة جمهورية الصين الشعبية.

ويعود العامل الثاني للسياسة الخارجية الصينية القائمة أساسا على انهاء منطق القطب الواحد والتصدي لسياسة الفوضى الخلاقة التي كانت الولايات المتحدة تدير بها العالم من خلال افتعال الأزمات والحروب والتدخل في الشؤون الداخلية للدول واستثمارها بما يخدم مصالحها العسكرية والاقتصادية القائمة أساسا على منطق الهيمنة والنهب والضغط المالي، وتعتبر جمهورية الصين الشعبية ضمن هذا السياق الفكري لما يجب أن تكون عليه السياسات الخارجية والعلاقات الدولية أن جزيرة تايوان مسألة داخلية خالصة وخاصة وهي حجر الأساس وجوهر المصالح الصينية والخط الأحمر الأول الذي لا يجب تجاوزه بأي طريقة كانت وتحت أي مسمى وعلى الولايات المتحدة أن تلتزم بمبدأ الصين الواحدة والبيانات الثلاثة لسنة1982 مع الصين والمتمثلة أساسا في عدم دعم استقلال «تايوان» أو «الصين» أو «صينين» أو «تايوان واحدة» و«صين واحدة» ووقف جميع أشكال التفاعل الرسمي مع تايوان والتوقف عن التواطؤ في دعم القوى الانفصالية الساعية لما يسمى استقلال تايوان وانشطتها الانفصالية والتوقف أيضا عن تفريغ مبدأ الصين الواحدة، وأن ليس هناك مجال لتحويل تايوان الى خنجر في ظهر جمهورية الصين الشعبية.

ما تريده أمريكا من وراء دعم استقلال تايوان لن يتحقق

خلافا للمصالح الاقتصادية والتجارية المتبادلة بين تايوان والولايات المتحدة الأمريكية وحجم الستثمارات الأمريكية التي بلغت 31،5 مليار دولار وبعيدا عن كونها أكبر سوق للصادرات الزراعية الأمريكية بما قدره 5 مليار دولار سنويا، بالاضافة الى الارتباط شبه الكلي بصناعة أشباه المواصلات الاستراتيجية، ناهيك عن كونها المنتج الأول في العالم لأشباه المواصلات الأكثر تطورا في العالم، فإن المصالح الأمريكية الاستراتيجية الأمريكية تتجاوز الأبعاد الاقتصادية والتجارية، لتتصل أساسا بالأهمية الجغرافية الاستراتيجية لجزيرة تايوان التي تقع في سياق ما تسميه واشنطن سلسلة الجزر الأولى التي تتضمن قائمة بالآراضي الصديقة للولايات المتحدة والتي تعود أهميتها للسياسة الخارجية الأمريكية التي تسعى الى وقف وتقويض النفوذ الاقتصادي والعسكري الصيني الذي تعتبره الولايات المتحدة منافسا لها، بالاضافة الى احكام السيطرة على غرب المحيط الهادئ وتركيز وتثبيت قواعدها وتواجدها العسكري في بحر الصين الجنوبي، فالدعم اللامشروط علنيا لاستقلال تايوان يتضمن بالأساس استراتيجيات وأهداف تسعى الادارة الأمريكية الى تحقيقها، وهو ما لن يتحقق على الرغم من المساعي الحثيثة لاستقلال تايوان وتمتعها بالحكم الذاتي، ويعود ذلك أولا للموقف الرسمي الصيني الذي يعتبر جزيرة تايوان خط أحمر وللقوة الاقتصادية والعسكرية التي تتمتع بها جمهورية الصين الشعبية التي قد تظهر للعالم اذا ما تعطلت كل السبل الديبلوماسية ولم تتراجعالولايات المتحدة وتعزف عن دعم تايوان. 

By Zouhour Mechergui

Journaliste