الأثنين. يونيو 17th, 2024

اعداد الدكتورة بدرة قعلول رئيسة المركز الدولي للدراسات الاستراتجية الأمنية والعسكرية 

فرنسا تفكر وتخطط اليوم من أجل العودة الى النيجر فهي اليوم تتفاوض وتتباحث مع العديد من الجهات من أجل دعمها لارجاع “عميلاها رقم 1” في النيجر الى الحكم وهي تحتفظ به اليوم في باريس.  

وحسب المعطيات والمعلومات فرنسا لها الرغبة والمصلحة لبذل ما تستطيع وتستعين بمن يريد دعمها، من أجل العود بالوضع في دولة النيجر إلى ما كان عليه قبل الانقلاب الذي جدّ منذ أيّام… ولكنها قد فشلت في مالي وخرجت مهزومة مهزوزة واستنجدت “بمحمد بازوم” الذي فتح لها الباب لمحاصرة مالي ولكن فشلت مرّة أخرى وهي اليوم محاصرة في أغلب دول الساحل وخاصة في التشاد التي تعوّل عليها كثيرا ولكن الوضع لا ينبؤ “بخير” بالنسبة اليها فخروجها سيكون حتمية تاريخية بدأت شعوب المنطقة تكتبها بحروف من ذهب. 

لوعة فرنسا كبيرة جدّا، وجرحها غائر وعميق بل أن الجرج قد امتد في أغلب الجسم ولم يعد لها الحلول فالأطباء في فرنسا اليوم جالسون يتمعنون في الحالة ويشخصونها والحلول شبه مستحيلة. 

خسارة فرنسا في ثقيلة جدا، النتائج وخيمة جدا على “باريس” التي تتمعش من ثروات النيجر وخاصة من الذهب واليورانيوم، والوضع الجديد في العاصمة نيامي وكامل النيجر، حصيلته ثقيلة جدّا، بدءا بفقدان أحد أهمّ موطأ قدم في افريقيا، خاصّة بعد تغيير هام في خارطة الوجود الفرنسي من جمهورية افريقيا الوسطى وغينيا وبوركينا فاسو ومالي، وها هي النيجر تسير على الدرب ذاته وربما ستلحق بها قريبا التشاد الذي تتربص بها قوى التحرر والرافض للوجود الفرنسي والتبعية. 

كذلك يأتي انهيار الوجود الفرنسي في افريقيا مكلفًا جدا على المستوى الاقتصادي، حين لم تعد القارّة السمراء وخاصّة المستعمرات الفرنسيّة فيها، “الحقل الخصب التي تنهب فرنسا ثماره” فباريس تسرق وتهيمن على كل الثروات من دون أن “يرجف لها جفن” فالنيجر الغنية باليورنيوم والذهب هي أفقر دولة في العالم، وهذه طبعا مفارقة قد رسمتها صنعتها دولة الاستعمار باريس، علمًا وأنّ دولا أخرى مثل الصين وروسية وحتّى تركية والهند والبرازيل وغيرها، تريد من “الكعكة” ما أمكن، ولكن بصورة أخرى وبمنطق آخر فالشعب النيجر خرج للشارع معبرا عن فرحته بالانقلاب رافعا علم روسيا وهذه رسالة وصفعة قوية في وجه باريس. 

يمكن الجزم دون أدنى نقاش أنّ سيطرة باريس أو بالأحرى البنك المركزي الفرنسي واحتكاره اصدار “الفرنك الافريقي” CFA، مكّن من المسك بمقدّرات هذه البلدان الاقتصاديّة، بل اعتبارها “المنقذ” الذي يلطف من الصدمات التي يتعرّض لها الاقتصاد الفرنسي، في كل مرّة، وذلك على حساب شعوب افريقيا المفقرة المنهوبة.  

أمام هذه المعادلة، ومع وجود قرابة 2000 جندي فرنسي في العاصمة نيامي وبمساعدة من بعض الدول المحيطة، يمكن للجيش الفرنسي أن يفكّر في الاقدام على “عمليّة خاصّة” تحمل تسمية “انقاذ الديمقراطيّة” مثلا، مع احاطتها بتغطية اعلاميّة توفرها الدول الأوروبيّة والولايات المتّحدة الأمريكيّة. ولكن هذا الخيار التي تدرسه باريس هذه الأيام غير ممكن وهناك تملص أمريكي الذي لا يريد التدخل في هذه المرحلة ولا يريد التورط كثيرا في هذه الدول بالرغم من أنّ فرنسا طلبت من واشنطن مساعدة “الافريكوم” ولكن الأخيرة ترفض هذا المبدأ بالأساس.  

وفي نفس الوقت وبنفس التكتيك الفرنسي مثلما حصل مع جمهورية مالي فهي اليوم تطلب المعونة من المنظمات الافريقية للتدخل ومساندة “استعمارها” وطبعا بنفس مبدأ “انقاذ ديمقراطية النهب والسرقة والاستعمار”. 

وطبعا وبضغطات فرنسية تبنت بعض الدول الافريقية مبدأ التهديد والوعيد، فلقد هددت منظمتي الإتحاد الإفريقي، والمنظمة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا  “الإيكواس” للانقلابيين في النيجر، صار من غير المستبعد أن يتدخل فريق المراقبين العسكريين التابع للجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا “ECOMOG” في النيجر وبنفس الكيفية وبنفس العمل كما فعلت في مالي وبوركينافاسو والتي لم تنجح لا بالضغوطات الاقتصادية ولا بالتهديد وسوف يكون مآل التهديد والوعيد نفسه مع النيجر. 

ومن المهم لفت الانتباه الى أن فريق المراقبين العسكريين التابع للجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا “ECOMOG” هو قوة متعددة الجنسيات، وأن قرار نشرها يتطلب موافقة جميع الدول الأعضاء إذا كانت هناك أي من الدول الأعضاء في هذا التكتل تعارض نشر فريق المراقبين العسكريين التابع للجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا “ECOMOG” في النيجر، فمن غير المرجح أن يتم نشر القوة وهذا ما تدركه “باريس جيدا ولهذا فهي تحاول ايجاد الحلول من دون جدوى وخاصة وأن “الافريكوم” غير مستعد للتدخل. 

لكن حسابات الحقل أبعد ما تكون عن حصاد “البيدر”، حين أعلنت باماكو وقوفها إلى جانب الانقلابيين في نيامي، ممّا يعني أن “الجبهة” أوسع ممّا تريد وخاصّة ممّا تحتمل فرنسا. 

تعلم قيادات الجيش الفرنسي وكذلك أجهزة الاستخبارات فيها، أنّ عمليّة “إعادة” الرئيس “المخلوع محمّد بازوم” ان صحت ونجحت، رغم شبه استحالتها وما سيصادفها بالتأكيد من مفاجآت لم تكون خاتمة المطاف ونهاية الملمحة التي اخترعها الجيش الفرنسي لذاته، لأنّ اليقين قائم بأنّ هذا “النجاح” سيكون فاتحة على “حرب استنزاف” طويلة ومكلفة وشديد الخطورة على الجيش الفرنسي ووجوده. 

ما هو محسوم ولا يقبل الجدل، يكمن في عجز فرنسا على اقناع العمق الشعبي في النيجر أنّها “راعية” لديمقراطيّة لم ينل منها هذا الشعب سوى الفقر والجهل والأمية، وفي السابق كان الانذار لفرنسا فقد خرج الشعب النيجر يتظاهر ضد التواجد الفرنسي وقد اعترض جحافل “بارخان” ورفض نقلتهم من مالي الى بلدهم وطبعا “غطرسة” المستعمر لم تكترث بالشعب وواصلت بل وتمادت في عمليات استعراضية وتسببت في مقتل العديد من المدنيين الأبرياء. 

فرنسا عاجزة عن اقناع الشعب النيجري أو حتّى مجموعة صغيرة “باستثناء بعض المرتزقة” والمستفيدين من تواجدها أنّ “الديمقراطيّة” في البلد تستوجب التضحية والاستشهاد من أجلها، بعد ان خبروا جيدا شعارات المستعمر الكاذبة. 

تعلم فرنسا أنّ “الانقلاب على الانقلاب” في حال نجاحه، عاجز عن الاستمرار بدون وجود عسكري فرنسي سيتزايد مع مرّ الأيّام، حين ستنخرط في “الكفاح المسلّح” أطياف من الشعب النيجري ويصبح “الجهاد ضدّ فرنسا” فرض وطني وواجب وطني لدى قطاعات واسعة من شعوب المنطقة…، بل اليوم أصبحنا نسمع بشعارات ترفع في كامل افريقيا وليس في النيجر فقط وهي “حرب التحرر والتحرير” وحينها ستسقط فرنسا في مستنقع لا خروج منه فلا زعماء الارهاب ولا المافيا ولا المرتزقة سيخوضون حربا معها وهم يرونها اليوم أضعف مما كانوا يتصوّرون، فلم تحمي ولم تحافظ على أغلب “مرتزقتها الزعماء” واليوم افريقيا تقول لفرنسا لقد انتهت الفسحة في افريقيا وانتهى الاستعمار الفرنسي. 

By amine