السبت. يوليو 20th, 2024

منى بوسيف: باحثة بالمركز الدولي للدراسات الاستراتيجية الامنية والعسكرية بتونس

لطالما حافظت دولة الجزائر، تلك الدولة الشمال إفريقية، على علاقة وثيقة مع شريكتها الأمنية التقليدية “روسيا”، لكن رغبتها الدائمة في التوازن والاستقلالية يمكن أن توفر فرصًا للدول الغربية، بما في ذلك الولايات المتحدة.

في يناير الماضي، جرى اتصال بين الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون جمعه بنظيره الروسي فلاديمير بوتين، ناقش فيه الزعيمان تعزيز العلاقات الثنائية “المتجسدة في تقاليد الصداقة والاحترام المتبادل المتجذرة عبر التاريخ”، وفقًا للبيان الصادر عن الكرملين. ومع ذلك، وبعيداً عن المجاملات والشكليات، كان من المرجح أن تركز المحادثة على وضع الصراع الروسي الأوكراني وبيع روسيا أسلحةً ضخمةً تقدر بمليارات الدولارات إلى الجزائر. كما وردت تكهنات بأن تبون سيزور موسكو قريبا، وأشار إعلان صدر بعد اتصال من مكتب الرئيس الجزائري إلى زيارة مقررة في مايو الجاري.

في حين أن الصراع بين روسيا وأوكرانيا قد قلب موازين بعض الشراكات التاريخية لموسكو وجعلها عرضة للعديد من التحدّيات، إلا أن الجزائر لن تنحرف كثيراً عن علاقتها الوثيقة تاريخياً مع موسكو. وفي المقابل، طرحت حرب أوكرانيا تحديات جديدة أمام أهداف الجزائر طويلة الأمد لتحقيق سياسة خارجية أكثر استقلالية.

العلاقات الجزائرية الرّوسية: برنامج تعاون مشترك واسع النطاق وطويل الأمد

بدأت الجزائر وموسكو في تطوير العلاقات الاقتصادية والأمنية في الستينيات، عندما أصبحت روسيا المورّد الرئيسي للأسلحة للجزائر في وقت سعت فيه الدولة المستقلة حديثًا إلى بناء جيشها.

إن تقارب هذه العلاقة الدفاعية لا يزال قائما اليوم. فمنذ عام 2002، جاء ما يقارب 76 في المئة من واردات الجزائر من الأسلحة من روسيا، والجزائر هي دائما الوجهة الرئيسية وهي من الدول الخمسة الأولى في جميع أنحاء العالم للأسلحة الروسية. في أكتوبر 2022، استضافت الجزائر البحرية الروسية لإجراء مناورات بحرية مشتركة، وبحسب ما ورد أجرى الجانبان مناورات مشتركة أخرى على طول الحدود المغربية في الشهر التالي، على الرغم من أن المسؤولين الجزائريين نفوا هذا الخبر، ربما لتجنب الانتقادات الدولية. في الأشهر التي تلت ذلك، استضافت الجزائر كبار المسؤولين الأمنيين الروس “نيكولاي باتروشيف”، الذي يشغل منصب الأمين العام لمجلس الأمن الروسي، و”ديمتري شوغاييف”، الذي يرأس المصلحة الفيدرالية للتعاون العسكري التقني. وتمتد العلاقة إلى الساحة الدبلوماسية أيضا. حيث أعلنت الجزائر في نوفمبر تشرين الثاني أنها تعتزم الانضمام إلى مجموعة بريكس (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا) في بادرة رحب بها وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف سريعا. ولا يخجل المسؤولون الجزائريون من مدح موسكوباستمرار، بينما يشيدون بانتظام بالعلاقات الثنائية، التي يصفونها بأنها ترتكز على “برنامج تعاون مشترك واسع النطاق وطويل الأمد”.

على الرغم من هذا التقارب، حاولت الجزائر باستمرار تحقيق التوازن بين علاقتها مع روسيا ورغبتها المستمرة في الحفاظ على مبدأ عدم الانحياز على الساحة العالمية. وقد تحدى هذا الموقف في بعض الأحيان علاقتها التاريخية مع موسكو، وآخرها في جلسة الأمم المتحدة بعد الصراع الروسي الأكراني في أبريل/نيسان، عندما صوتت الجزائر لصالح قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي يعترف بـ “عدوان الاتحاد الروسي على أوكرانيا”، ومنذ بداية الحرب، امتنعت الجزائر عن التصويت في خمس جلسات للجمعية العامة على قرارات تتعلق بالحرب. كما استفادت الجزائر من الآثار الجانبية للحرب، وأبرزها الرغبة الأوروبية في التخلص من اعتمادها على الغاز الطبيعي الروسي.

وعلى سبيل المثال، تعد الجزائر الآن أكبر مورد للغاز الطبيعي إلى إيطاليا، التي كانت في السابق تستورد معظم احتياجاتها من الغاز الطبيعي من روسيا. وفي وقت سابق من هذا العام، حث تبون حكومة مالي على الانفصال عن مجموعة فاغنر الروسية، التي لديها حوالي ألف جندي بالإضافة إلى مصالح في الدولة المجاورة. على الرغم من أن تبون صاغ دعوته في التزام الجزائر الطويل الأمد بعدم التدخل في الشؤون الخارجية، فمن الممكن أن ترى الجزائر فرصة لإزاحة وجود فاغنر المزعزع للاستقرار في جنوبها.

وتزامنت هذه المحاولات التي قامت بها الجزائر لتيسير علاقتها مع موسكو في مرحلة ما بعد حرب أوكرانيا مع جهود مضاعفة لصياغة سياسة خارجية تتسم بالحزم والاستقلالية. وفيما يتعلق بإيطاليا على وجه التحديد، اقترن تعميق العلاقات الاقتصادية بزخم دبلوماسي يهدف على الأرجح إلى موازنة الاحتكاك الجزائري الأخير مع إسبانيا بشأن قضية الصحراء الغربية، التي اتخذت فيها إسبانيا جانب المغرب منذ منتصف عام 2022، مما أدى إلى تجميد التجارة الإسبانية الجزائرية. هذا التوازن مهم بشكل خاص بالنظر إلى تطبيع المغرب للعلاقات مع إسرائيل في عام 2020، لأنه يشير إلى أن الجزائر ترفض السماح لنفسها بالعزلة لأنها تحافظ على موقفها القوي تاريخياً المؤيد للفلسطينيين. كما تمكنت الجزائر من استعادة العلاقات (في الوقت الحالي) مع فرنسا، التي شهدت خلافًا قصيرًا في فبراير عندما استقبلت باريس أحد منتقدي القيادة الجزائرية الذي يحمل الجنسية الفرنسية أيضًا. حتى أن الرئاسة الجزائرية أعلنت أن تبون يعتزم زيارة باريس في النصف الثاني من يونيو. وإذا تحقق ذلك فستكون هذه ثالث زيارة على مستوى الدولة منذ الاستقلال على الرغم من أن يناير كانون الثاني الماضي شهد اجتماعا نادرا في باريس بين وزيري دفاع البلدين لبحث المخاوف الأمنية الإقليمية.

إعادة ترتيب الأولويات الدفاعية؟

قد يتحول اعتماد الجزائر التاريخي على الدعم العسكري الروسي إلى نقطة ضعف لأن آثار الحرب الأوكرانية تعيق قدرة موسكو على بيع الأسلحة والمعدات المتعلقة بالأسلحة. وبالفعل، أعاقت الحرب صادرات الأسلحة الروسية في جميع أنحاء العالم. وجدت دراسة حديثة أن مبيعات الأسلحة الروسية قد انخفضت بنسبة تتجاوز 30 في المائة بين فترتي 2013-2017 و 2018–2022. ووجد عملاء روسيا منذ فترة طويلة صعوبة متزايدة في الحصول على قطع الغيار والمكونات للمشتريات الحالية، فضلاً عن إجراء عمليات شراء جديدة. وأشار تقرير صادر عن القوات الجوية الهندية في مارس إلى أن روسيا لن تكون قادرة على إنجاز “عملية تسليم ضخمة” لنظام معيّن إلى الهند بسبب حرب أوكرانيا. ولذلك سيتعين على الجزائر أن تقرر ما إذا كانت ستضاعف من علاقتها الأمنية مع روسيا وربما تستخدم مكانتها كعميل قديم للتفاوض على صفقات أفضل، أو البدء في البحث مع دول أخرى لإمداداتها العسكرية.

الصين : بديل جديد لسدّ الفجوة الروسية:

إذا كانت الجزائر تفكر في البحث عن دول أخرى، ستتوفر لها خيارات كثيرة نظراً لوضعها كمستورد رئيسي للأسلحة. وإلى جانب روسيا، استعانت الجزائر منذ عام 2002 بمعظم معداتها الدفاعية من الصين (حوالي 7 ٪) وألمانيا (حوالي 6 ٪) وإيطاليا (حوالي 3 ٪). ومن المرجح أن تكون الصين حريصة على سد الفجوة الروسية. حيث صنّفت الولايات المتحدة الصين في عام 2019 بأنها المصدر العالمي الأسرع نموا للأسلحة في السنوات الخمس عشرة الماضية، واستخدمت جمهورية الصين الشعبية مبيعاتها من الطائرات المسيّرة المسلّحة إلى الجزائر ودول أخرى في المنطقة كموطئ قدم لتسويق منصات أخرى أكثر تقدما.

وقد تنظر واشنطن أيضاً في استخدام احتمالات بيع الأسلحة والتعاون الأمني، لا سيما فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب، كطريقة لسحب الجزائر من فلك موسكو. وساعدت هذه الرغبة في دفع وزير الدفاع الأمريكي خلال رئاسة ترمب، مارك إسبر، إلى زيارة الجزائر في عام 2020، وكانت تلك أول زيارة يقوم بها وزير دفاع أمريكي أثناء شغله منصبه منذ عام 2006، في وقت توفرت فيه، “الفرصة ربما لتمهيد الطريق” لإقامة علاقات دفاعية ثنائية، وفقاً لمسؤول دفاع أمريكي. واستقبلت الجزائر منذ ذلك الحين مجموعة من المسؤولين الأمريكيين رفيعي المستوى، من بينهم مؤخراً وكيلة وزارة الخارجية لشؤون “الحدّ من التسلح والأمن الدولي”، بوني دينيس جنكينز. ونظراً لتهديدات الكونغرس بفرض العقوبات المنصوص عليها في “قانون مكافحة أعداء أمريكا من خلال العقوبات” على الجزائر بسبب مشترياتها السابقة من الأسلحة الروسية، ستحتاج واشنطن إلى تنسيق رسائلها إذا أرادت إقناع الجزائر بتعميق التعاون الأمني، لا سيما وأن الأخيرة توسع نطاق صفقاتها مع الدول الأوروبية، مثل ألمانيا.

الخاتمة

خلقت حرب أوكرانيا نوعاً من الحيرة للجزائر، كما خلقت لغيرها من شركاء روسيا القدامى الآخرين. وتُظهر تصرفات الرئيس تبون منذ الغزو الروسي أن الجزائر تريد تحقيق توازن بين علاقتها التاريخية الوثيقة مع موسكو وتطلعاتها الراسخة إلى سياسة خارجية أكثر استقلالية. وأفضل نهج يمكن لواشنطن اعتماده في هذه المرحلة هو الاستمرار في معاملة الجزائر كشريك في المجال الأمني وإيجاد فرص لتعميق العلاقات. ويمكن أن يشمل ذلك تعزيز شراكات الاستثمار مع قطاعات أخرى من الاقتصاد الجزائري مثل الزراعة والطاقة المتجددة، ومواصلة تشجيع مناخ استثماري جزائري أكثر استقراراً وودية. بالإضافة إلى ذلك، على الولايات المتحدة إشراك الجزائر في المحادثات التي تتناول موضوع الاستقرار الإقليمي، لا سيما بالنظر إلى مخاوف الأخيرة بشأن الانهيار الاقتصادي المحتمل في تونس المجاورة وتزايد عدم الاستقرار في منطقة الساحل. وقد يكون التركيز على رؤية مشتركة لتحقيق المزيد من الاستقلال للجزائر هو أفضل طريقة لواشنطن لتسهيل مثل هذه النتيجة.

By amine