السبت. سبتمبر 24th, 2022

فاتن جباري: باحثة بالمركز الدولي للدراسات الاستراتيجية الامنية والعسكرية بتونس

مقدمة :

       تونس تلك الجوهرة الجغرافية التي توشح تاج البحر الأبيض المتوسط وتشع على واجهة المغرب العربي هذا البحر الذي هو منبع تقاليدها وحضارتها ، منطلق امالها و رسالتها في ان يعم الامن والسلام العالم ، وقلب القارة السمراء  . كانت ارضها شاهدا على معارك دموية في الوقت الذي انتصبت فيه الحضارات و تطورت  الشعوب التي التقت  وامتزجت  من كل الاجناس و الاديان والأعراق ، لاتينية كانت ام جرمانية ، مسيحية او نصرانية  او مسلمة فرسالة هذا الشعب قديمة تغذت لعدة قرون من فلسفات الشرق و الغرب  المتعاقبة .

اما المنشآت البربرية القديمة و التي تم تطويرها عن طريق الحضارة البونية ثم بعد ذلك اللاتينية زادها الاسلام متانة برابط الايمان خلال الحقبة الاستعمارية  حيث ادت صدمة الاستعمار و مخلفات الاحتكاك بالثقافة الفرنسية الى اقتياد تلك الاجيال أي اجيال الثمانينات و تسعينات القرن الماضي  الى الاستفاقة و الشعور بحقائق القرن العشرين ، لبناء تونس الجديدة . موقع البلاد التونسية في مفترق الطرق بين افريقيا واوروبا ،اسيا الصغرى وامريكا يجعل منها محطة حيوية  انها الوسيط الطبيعي بين القارات ، البشر والايديولوجيات  .

تونس في محيطها العربي والاسلامي، اتسمت بالتفتّح والاعتدال فهما جزء من ثوابت الهويّة التونسية لأنّ الجغرافيا جعلت من تونس جسرا في مفترق الطرق يربط الشرق بالغرب والشمال بالجنوب.  كما كان لبلادنا على امتداد تاريخها الطويل الذي يزيد على ثلاثة آلاف سنة إسهامات ثقافية وحضارية كبيرة تركت بصماتها في مختلف الحضارات المتعاقبة بداية من الحضارتين القرطاجنية والرومانية وصولا إلى الحضارة العربية الإسلامية  حتى عصرنا الحاضر.
 يمثل البعد العربي الإسلامي بخصوصيته التونسية، العنصر الجوهري في هويّة بلادنا على أساس الانتماء الروحي والحضاري للمغرب العربي ولمختلف الشعوب العربية الاسلامية .

تونس و المغرب علاقات عرفت صمتا واستقرار طيلة عقود مضت رغم الخلافات الكامنة بين تونس و الرباط لكن ما اتسمت به الدولة التونسية على مر التاريخ من الاعتدال والاتزان في المواقف واحترام وحدة الموقف لدى القائمين على السياسة الخارجية التونسية ل تفادي إعطاء إشارات متضاربة للعالم وان كل دولة مغاربية هي جزء لا يتجزأ  من المغرب العربي الكبير فتونس بنت ساستها على الراية البيضاء حتى في اوج الصراعات و الاضطرابات كانت ولازالت تدعم حقوق الانسان في العالم و خصوصا حق الشعوب في تقرير مصيرها و اليوم تطفو على السطح ازمات دبلوماسية بين دول الجوار حيث اثارت قضية الصحراء الغربية جدالات ومواقف سياسية مختلفة اخذت ابعاد مختلفة  جعلتنا نسلط الضوء حول ملامح السياسة الدبلوماسية التونسية و دور تونس في فض النزاعات الدولية بالطرق السلمية واي حقيقة هي ستحدد مستقبل العلاقات الكائنة بين تونس و المغرب بعد قضية البوليساريو ؟

الجزء الاول : ثوابت السياسة الخارجية لتونس

منذ  الاستقلال تميّزت البلاد  التونسية بدبلوماسية متميزة و رصينة اعطتها المكانة  المرموقة في محيطها الإقليمي والدولي،  ويعود ذلك بالأساس إلى التوجّهات السياسية الواضحة التي وضع أسسها الزعيم الحبيب بورقيبة وسهرت على تنفيذها ثلّة من الدبلوماسيين  الأكفاء حيث تحرص تونس في إطار سياستها الخارجية الهادفة الى تقوية اسباب التفاهم والتفتح والتضامن بين الشعوب على ايلاء اهمية لمنظمة الامم المتحدة والمبادئ التي قامت عليها بصفتها الاطار الرئيسي  الذى يستند اليه العمل الجماعي على الصعيد الدولي .

 ولقد حرصت تونس منذ انضمامها الى المنتظم الاممي على المشاركة الفاعلة في بلورة التوجهات والقرارات الدولية ترسيخا لمزيد النجاعة والفاعلية على انشطة وبرامج عمل منظمة الامم المتحدة والمنظمات والهيئات التابعة لها, ويعد اصلاح مجلس الامن الدولي وتحسين ادائه من خلال توسيع تركيبته وتحسين طرق عمله من بين قضايا الاصلاح الاساسية التي تدعو تونس الى المضي قدما في تحقيقها

اما خلال فترة انتخابها كعضو غير دائم في مجلس الامن الدولي وهي العضوية الثالثة منذ الاستقلال  سعت البلاد على مواصلة الجهود من اجل الاسهام في الحفاظ على السلم والامن الدوليين من خلال تقديم افكار هامة ساعدت بشكل فعلي في مداولات المجلس وتوجت باعتماد بيان يؤكد ضرورة وضع استراتيجية شاملة لتوطيد السلام بجميع جوانبه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والانسانية  حيث اكدت باستمرار على ضرورة اضفاء النجاعة على اداء منظمة الامم المتحدة في معالجة اهم القضايا التي تواجهها الانسانية جمعاء كانتشار الحروب و ازمة المناخ و الكوارث الطبيعية و الجوائح و  الحروب الفيروسية و الاوبئة و الامراض و ازمة الامن الغذائي و المياه و  تصنيع السلاح مع منح الاولوية لقضايا التنمية حيث اثبتت التجربة ان تدهور الاوضاع الامنية يكون عادة ناجما عن تردي الوضع الاقتصادي والاجتماعي.

 هذا السعي المتواصل يتجلى  خاصة من خلال دعوتها في عديد المناسبات وآخرها  احتضانها ” لندوة طوكيو الدولية للتنمية في افريقيا” و عزمها على تنظيم القمة  الفرنكوفونية  الدولية التي ستنتظم بمدينة جربة الساحلية طامحة الى رسم استراتيجيات جديدة  تتلاءم مع التطورات والتحديات التي يشهدها العالم اليوم.

وتقوم السياسة الخارجية لتونس على عدم التفريط في استقلالية القرار الوطني والتمسّك بالشرعية الدولية وميثاق الأمم المتحدة  الذي تم توقيعه سنة 1945 في سان فرانسيسكو في ختام مؤتمر الأمم المتحدة الخاص بنظام الهيئة الدولية و هو يعتبر النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية جزءا متمما للميثاق، والالتزام بتعهّدات تونس الدولية احترام سيادة الدول وعدم التدخّل في شؤونها الداخل كما حملت تونس في طيات  سجلها التاريخي مواقف كثيرة تضمنت  مساهمتها الشجاعة في فضّ النزاعات الدولية بالطرق السلمية و ترسيخ حقوق الإنسان ومناصرة قضايا الحقّ والعدل وفي مقدّمتها القضية الفلسطينية و الإسهام في تطوير العلاقات الدولية في إطار الاحترام المتبادل والحرص على سياسة حسن الجوار و المساهمة الدائمة في كلّ جهد وعمل جماعي لخدمة الأمن والاستقرار وتحقيق الرخاء والتقدّم لفائدة الإنسانية قاطبة من خلال البعثات الاممية و قوات حفظ السلام العالمي و الوفاء للانتماءات الجغرافية والثقافية للبلاد وتوسيع دائرة الصداقات والتعاون خدمة لمصالح تونس الأمنية والاقتصادية ومصالح جالياتها في الخارج.


الجزء الثاني : قضية البوليساريو بين الشرعية الأممية و أزمة الرباط

لقد كانت مداولات  محكمة العدل الدولية في قضية الصحراء الغربية  خلال الفترة ما بين 1974 و 1976  ان اقرت نص الحكم النهائي للمحكمة  وفق ما يلي:

“المواد والمعلومات المقدمة إليها [محكمة العدل الدولية] لا تثبت أي علاقة للسيادة الإقليمية بين إقليم الصحراء الغربية والمملكة المغربية أو الكيان الموريتاني. وبالتالي، لم تجد المحكمة روابط قانونية من هذا القبيل قد تؤثر على تطبيق قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 1514  في إنهاء استعمار الصحراء الغربية، وعلى وجه الخصوص، مبدأ تقرير المصير من خلال التعبير الحر والصادق عن إرادة شعوب الإقليم ” (تقارير محكمة العدل الدولية 16 أكتوبر 1975.

بصدور هذا القرار الأممي بدأت ملامح القضية الصحراوية  تأخذ شيئا من انعدام التوازن الاقليمي واختلاف  الآراء السياسية الدولية  بشان القضية العالقة التي جمعت ان ذلك كل من المغرب و موريتانيا و اسبانيا و الجمهورية الصحراوية  حيث اعترفت 82 حكومة بالجمهورية الصحراوية كحكومة شرعية للصحراء الغربية باستثناء الولايات المتحدة الامريكية  ومع  استمرار التحقيقات لدى المحكمة الجنائية الدولية  لم تبدي الدولة التونسية أي موقف داعم او رافض حيث حافظت على حيادها و علاقاتها الثنائية تجاه الطرفين .

 في الحقيقة ليست هي الأزمة الأولى في تاريخ العلاقات بين البلدين ، فقد حدث سنة 1960 أن سحبت المغرب سفيرها وقطعت علاقاتها الدبلوماسية مع تونس إثر اعتراف هاته الأخيرة باستقلال موريتانيا، وخلال الثمانينات شهدت العلاقات بينهما أيضا شيئا من التوتر بعد عقد تونس اتفاقية الإخاء والتعاون مع الجزائر وموريتانيا، مما حدا بالملك الحسن الثاني في ذلك الوقت إلى عقد اتفاق مع العقيد معمر القذافي كرد فعل على تلك الاتفاقية، ما عدا ذلك تميزت العلاقات التونسية المغربية خلال أكثر من ستين عاما بالاستقرار والتعاون المثمر وقد شجع ذلك المناخ الإيجابي المستثمرين التونسيين  والمغاربة على بعث المشاريع في كلا البلدين ودفع أعدادا غفيرة من الطلبة التونسيين إلى مواصلة دراستهم بالجامعات المغربية.

ويعود نجاح تونس في الحفاظ على علاقات جيّدة مع الجزائر والمغرب في نفس الوقت إلى الأسس الديبلوماسية التي وضعتها الدولة التونسية بعد الاستقلال والتي شكلت إحدى أهم نقاط قوتها، تلك الدبلوماسية التي كان يطلق عليها الزعيم بورقيبة بالحياد الإيجابي، وقد كان الهدف منها النأي بتونس عن الاصطفاف في الصراعات الدولية والإقليمية التي تفوق حجمها وقدراتها وتضعها في تبعية لهذا الطرف أو ذاك، لكن دون التخلي عن التزامها بالوقوف إلى جانب القضايا العربية والإفريقية وبالخصوص القضية الفلسطينية وبذلك تجنبت تونس الوقوع في مطبات الرمال المتحركة لقضية الصحراء وبقي الموقف التونسي يشكل بصيصا من الأمل في الإبقاء على صورة «اتحاد المغرب العربي» ولو في حدوده التنسيقية الدنيا. ذلك الاتحاد قد تم بعثه في فيفري 89 من طرف دول المغرب العربي الخمسة، تونس، الجزائر، المغرب وموريتانيا تجسيما لحلم راود حركات التحرر الوطني ولطموحات الشعوب في بناء كيان مغاربي موحد وقوى قادر على الوقوف في وجه الاتحاد الأوروبي والتجمعات الإقليمية الأخرى.

أحدث الإعلان عن انبعاثه موجة من التفاؤل لدى شعوب المنطقة والمتابعين لأن ذلك الإعلان كان صادر عن لقاء ضم اقادة الدول الخمس أنذلك وهم  الرئيس زين العابدين بن على والرئيس الشاذلي بن جديد والملك الحسن الثاني والعقيد معمر القذافي والرئيس معاوية ولد سيدي أحمد الطايع و تضمّن مبادئ وأهداف واضحة تنص على توحيد سياسات تلك الدول، الاقتصادية والصناعية والزراعية والتجارية والثقافية والعمل على تحقيق حرية تنقل الأشخاص وانتقال الخدمات والسلع ورؤوس الأموال ووضع آليات للمتابعة والتنفيذ في أعلى المستويات، فقد تم ّ التنصيص على إحداث مجلس رئاسة الاتحاد المكون من رؤساء الدول ومجلس رؤساء خارجية ولجنة وزارية للمتابعة ولجان متخصّصة في جميع المجالات وأمانة عامّة ومجلس شوري وهيئة قضائية وقد بلغ الحماس حدّ اقتراح علم للاتحاد ونشيد رسمي.

لكن ذلك الإعلان لم يصمد طويلا ومصيره كان مثل سابقيه في مناطق أخرى من العالم العربي، حبرا على ورق ومؤسسات خاوية، وعاد التوتر على أشده بين الجزائر والمغرب بعد إغلاق الحدود بالكامل بينهما سنة 1994 لتفتح جولة أخرى من المواجهات السياسية بينهما
فبدأ الأمل في نزع فتيل الأزمة بين البلدين يتراجع وبوادر فشل قيام الإتحاد المغاربي تلوح أكثر فأكثر خاصة بعد التطورات الدراماتكية التي حصلت بالقطر الليبي، ورغم الإنتكاسة التي عرفتها السياسة الخارجية التونسية باحتضان ما يسمى بمؤتمر”  أصدقاء سوريا ” زمن  فترة حكم ما سميت ب الترويكا والذي جر تونس إلى سياسة المحاور فإن تونس عرفت كيف توازن موقفها في النزاع الصحراوي وحافظت على نفس المسافة بينها وبين القطرين المتنازعين الجزائر والمغرب.

إذن ما الذي حصل من تغير حتى تظهر تونس وكأنها تخلت مرة أخرى عن دبلوماسية الحياد الإيجابي ؟ وهل أن الذي حدث هو مجرد حادث عابر في ملتقى دولي حفت به ظروفا معينة ؟ وهل هذا الحادث يستحق كل هذا التصعيد من طرف المغرب؟

في ظل ارتفاع حدة التوتر الذي تشهده المنطقة، يرى الكثير من الملاحظين أنّ استقبال الرئيس قيس سعيد لأمين عام جبهة البوليساريو قد يحمل بعض الرسائل لكنّه لا يؤشر لتحول جذري في الموقف التونسي من قضيّة الصحراء بما لم يذكر ضيفه بصفته رئيس الجمهورية الصحراوية وأن الموقف لا يستحقّ كلّ ذلك التصعيد من الجانب المغربي، لأنّه مهما كانت الظروف في صالح الدولتين المغرب والجزائر في أن تبقى تونس في الوسط لتكون الخيط الرابط بينهما عند الحاجة ولا ينفرط العقد المغاربي بالكامل.

لقد كانت من نتائج ذلك ان حصل استدعاء للسفراء  المعتمدين من البلدين و تصعيد اعلامي وحملات على شبكات التواصل الاجتماعي .

يمكن القول وان الأسلوب الذي وقع اعتماده من طرف دولتين ،كانت سياستهما تتسم بالهدوء الديبلوماسي و توازن المصالح البراغماتية اتخذ هذه المرة نهجا مغايرا   حيث كان من الاجدر حل الخلاف العالق بعيدا عن الضجيج الإعلامي ضمانا لاستقرار العلاقات واستمرارها على اساس التضامن والتعاون العربي  وتجنب العودة الى التقوقع في الانتماء الوطني الضيق ، فبقدر ما تتأخر هذه الدول في فهم أن لا قدرة لها بمفردها في ضمان مصالحها وأمنها أمام التجمّعات الإقليمية والتكتلات الاقتصادية بقدر ما سيعجب ذلك اطراف اجنبية اخرى من مصلحتها و ان ترى المغرب العربي يغرق في خلافاته وهو امتحان عسير آخر ينضاف إلى ما یعیشه المغرب الكبیر من أزمات.

تنتظر هذه الازمة خطوة هامة لجامعة الدول العربية في دعوتها  الى انعقاد ما اسمته خلوة مغاربیة لوزراء الخارجية مع الأمین العام للجامعة خاصة بالأزمة  الليبية ناشدين في ذلك صیاغة خطة سلام في لیبیا  واغتنام مناسبتھا لعقد لقاءات ثنائیة على هامش الخلوة لحل المشاكل الثنائیة العالقة و العمل سويا بين الاشقاء المغاربة على تجاوز الخلافات العالقة ووضع وحدة المغرب العربي فوق كل اعتبار و دعم النهوض الاستراتيجي للقارة في مجالات الاقتصاد و التكنولوجيا و الطاقة واعادة احياء التراث الثقافي حتى يكون ارثا انسانيا مشتركا. 

By amine