الأحد. يونيو 26th, 2022

اعداد رباب حدادة وصبرين عجرودي : قسم البحوث والدراسات الاستراتجية والعلاقات الدولية

مراجعة واشراف الدكتورة بدرة قعلول رئيسة المركز الدولي للدراسات الاستراتجية الأمنية والعسكرية

بعد سقوط النظام الليبي في احداث 17 فيفري 2011،بدعم المعارضين من قبل قوات حلف الناتو تعثر مسار العودة الى الاستقرار في ليبيا وغابت الرؤية الواضحة للدولة وتمّ اغرق البلاد في حالة من الفوضى اججتها التدخلات الاجنبية وقواتها من جيوش نظامية ومرتزقة.

شهدت ليبيا سنوات من الحرب الاهلية، تم خلالها ارساء حكومات مختلفة من اجل ايقاف نزيف الحرب والصراع الذي استانفوبحدة في 2019 من خلال تصادم القوات الموالية لحكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج والجيش العربي الليبي بقيادة خليفة حفتر.

 تدخلت القوى الاجنبية من اجل دعم كل طرف حيث قامت تركيا بالتدخل لفائدة حكومة السراج في حين دعمت صفوف الجيش الليبي كل من روسيا والامارات العربية المتحدة ومصر، وتواصل النزاع بين مختلف الاطراف المقاتلة الى غاية اكتوبر 2020 حين تم الاتفاق على وقف اطلاق النار.

وفي اطار منتدى الحوار الليبي تم الاتفاق على ارساء حكومة وحدة وطنية من اجل قيادة مرحلة انتقالية والاعداد لانتخابات في 24 ديسمبر 2021 وتم على اثر هذا الاتفاق تعيين حكومة عبد الحميد الدبية في مارس 2021 واعضاء المجلس الرئاسي بقيادة محمد المنفي.

بالتوازي مع العمل السياسي للسلط المذكورة تشكلت لجنة عسكرية مشتركة (5+5) من اجل حماية اتفاق وقف اطلاق النار وحل الازمات الامنية في كامل الاقليم الليبي خاصة اخراج المرتزقة وتفكيك الميليشيات وجمع السلاح.

تبنت اللجنة العسكرية 5+5 “خطة عمل شاملة من اجل اخراج متزامن للقوات الاجنبية والمرتزقة” خلال اجتماعها في جنيف في 8 اكتوبر 2021 ومنذ ذلك التاريخ واللجنة تعقد لقاءات مع رؤساء القوى الاجنبية المتدخلة في ليبيا وقادة المجموعات المسلحة في الداخل من اجل تنفيذ هذه الخطة ولكن الفشل كان حليف كل التحركات فلم تفلح هذه اللجنة في مهامها وبقيت تتقادها العواصم الاقليمية والدولية.

في شهر جويلية2021، علق رئيس البعثة الامميةيان كوبيش أن “الحالة في ليبيا تزداد صعوبة وتصادما وتوترا على المستوى المؤسساتي والسياسي وتقف المصالح الفردية في طريق الاتفاق على الإطار القانوني اللازم لإجراء الانتخابات في 24 ديسمبر، على النحو المتفق عليه فيخارطة الطريق لمنتدى الحوار الليبي، التي أقرها مجلس الأمن.

“إن استمرار وجود القوات الأجنبية والمرتزقة والمقاتلين الأجانب يهدد أيضاً اللجنة العسكرية المشتركة وتنفيذ الاتفاق إذا ظلت العملية السياسية متوقفة… الوقت ينفذ”حسبتصريح للمبعوث الاممي الذي استقال قبل شهر واحد من الموعد المرسوم للنتخابات كانت رسالة واضحة انذرت بتاجيل مسبق لها.

ظل الملف الامني حجر العثرة في مسار انتقال سياسي تعقد اكثر بالخلافات الداخلية فيما يتعلق بالقوانين الانتخابية ما ادى الى تأجيل انتخابات 24 ديسمبر 2021.

الازمة في ليبيا هي ايضا صراع أجندات ومصالح للقوى الاقليمية والدولية، اذ تمثل دولة ذات أهمية استراتيجية في اجندات تلك الاطراف وخططها.

ووظف كل طرف بيادقه من ميليشيات ومرتزقة وشركات حرب خاصة وحتى قوات نظامية في اطار اتفاقيات عسكرية الامر الذي جعل الخبراء يصفون الحرب في ليبيا كأكثر حرب خاصة عرفها التاريخ الحديث.

اذ مثلت الاراضي الليبية ساحة لصراع شركات الحرب الخاص وبلغ عدد المرتزقة فيها حسب الامم المتحدة 20 الف مقاتل.

بعد أكثر من عقدين من اندلاع شرارة الازمة تطرح اسئلة عديدة.

لماذا لم تنجح كل الخطط الاممية في الوصول الى الانتخابات؟

 لماذا ترفض تلك القوى مغادرة الاراضي الليبية ؟

ولماذا تعمل على ضرب الاستقرار الوطني في ظل خطابات دبلوماسية تدعو الى الامن والسلم؟

1/البعد الجيوسياسي في الصراع الليبي

تعتبر الجغرافيا السياسية أمرا ضروريا للغاية في فهم الاهمية والوزن الذي تحظى بها بلاد ما بالنسبة لعناصر الصراع، والمقصود بذلك هو الخصائص والسمات وكل المعطيات الطبيعية والبشرية التي من شأنها تخلق من دولة او من إقليم أو من قارة مجالا له امتيازات خاصة، وتمثّل الاهمية الجغراسياسية عنصرا مساهما بقدر واسع في خلق الصراعات بين الدول وتوظيف الوكلاء وكل العناصر المستفيدة، سواءَ بشكل مباشر أو غير مباشر، ذلك ما يندرج في ليبيا على وجه الخصوص، إذ تعتبر أهميتها الجغراسياسية أمرا له علاقة مباشرة بعدم استقرارها الى غاية اليوم.

تحتل ليبيا موقعا استراتيجيا، فهي تقع في قلب البحر الابيض المتوسط والكتلة المغاربية، كما تفتح على افريقيا جنوب الصحراء، ذلك الى جانب ثرواتها الكبيرة من النفط والغاز ما جعل منها مجالا هامّا بالنسبة  للقوى الاقليمية والدولية.

تقع ليبيا في شمال القارة الافريقية، يحدها من الغرب  تونس والجزائر، وشرقا مصر والسودان، أما شمالا فالبحر الابيض المتوسط وتحديدا في وسط جنوبه حيث تمتد حدودها  البحرية الى ما يقارب 2000 كيلو متر، وجنوبا التشاد والنيجر.

تعتبر ليبيا من أكثر الدول في شمال افريقيا التي تمتلك حدودا بهذا الطول على البحر الابيض المتوسط ويمنحها ذلك حدودا هامة مع اوروبا، وذلك ما يدفع الاخيرة للتركيز على الجزء الجنوبي مع ليبيا والتركيز على كل الاحداث التي تجري على طول هذه الحدود البحرية المشتركة.

  كما تشترك ليبيا مع دول الجوار في الصحراء الكبرى، ولكنها تتميز عنها في البنية والبيئة الطبيعية والبشرية، وتبلغ مساحتها 1.8 مليون كيلومتر مربع، وهي رابع أكبر دولة مساحة في افريقيا، والمرتبة 17 في العالم.

يقول الدكتور جمال حمدان المتخصص في الجغرافية السياسية: “العالم مضطر إلى أن يفرد ليبيا كوحدة جغرافية متميزة، فقد تكون هذه الوحدة ضئيلة الحجم والثقل كثيراً أو قليلاً ولقد تختفي تماماً أو حتى تتمزق وتُتَقاسم أحياناً ولكنها تعود دائماً إلى الظهور وتفرض نفسها حتى على المستعمر الخارجي كما على أبنائها أنفسهم في الداخل”.

يعتبر النفط من أشد العوامل التي تثبت مدى أهمية ليبيا بالنسبة للدول المتصارعة، فهو يشكّل 94% من جملة مواردها، وانطلق انتاجه بصفة رسمية في عام 1961، وقد ناهز مستوى إنتاجه في فترة الثمانينات 3 ملايين برميل يوميا، وتتصدّر ليبيا المرتبة الثامنة دوليا باحتياط ناهز 46.4 مليار برميل والذي يمثّل 4.4% من الاحتياطي الدولي، كما تحتل المرتبة 19 عالميا باحتياطاتها النفطية.

تعتبر البلدان الاوروبية من أكثر المناطق المنتفعة من بترول ليبيا، حيث تمثّل صادرات هذه المادة نسبة 79% من جملة صادرات النفط، ويعود ذلك لموقع ليبيا المنفتح على البلدان الاوروبية.

الى جانب هذه الثروة الهائلة من النفط، فإنها تعتبر مرتفعة الجودة بفضل احتوائها على قدر قليل من الكربون ما يساعد على إعادة التكرير.

تسببت الازمة في ليبيا في العشرية الاخيرة، في انخفاض مستوى انتاج النفط الى أعداد غير مسبوقة، فمنذ الحرب انخفضت مستوى الانتاج ليصل 1.2 مليون برميل يوميا، واليوم بعد إغلاق حقول النفط المتمثّلة في الشرارة والفيل والوفاء والحمادة، أعلنت مؤسسة النفط الليبية رسميا في بيان صدر لها في 20 ديسمبر من العام الفارط انخفاض الانتاج بأكثر من 300 ألف برميل.

 وفي هذا السياق صرّح حمدان، أنّ ليبيا تعتبر من بين البلدان الفريدة والاستثنائية في مجال البترول، فهي تشكّل قاعدة اساسية في علاقاتها الجيوسياسية، على عكس الكثير من البلدان الاخرى التي على الرغم من احتياطاتها الكبيرة إلا أنها لا تُعد نقطة قوّة ثابته في سياساتها الخارجية، أي بالرغم من الازمة العميقة التي تواجهها ليبيا إلا أن النفط لا يمكن أن يكون في المستقبل من المواد الشحيحة في البلاد.

في هذا السياق، يحتد الصراع بشدّة حو مسألة تصدير الطاقة الى البلدان الاوروبية بين دول المتوسط، فمثلا فيما يتعلّق بمسألة تصدير الغاز، تتنافس الدول ذات الحدود على البحر المتوسط فيما بينها بشأن إنتاج الغاز لتصديره الى اوروبا التي تعاني من ضعف  كبير في هذه المادة وفي نفس الوقت تُطالب به من بلدان المتوسط لضعف تكلفته، خاصّة وأنها تعتمد على روسيا في الحصول على الغاز الذي يتطلّب وصوله المرور بخطوط طويلة ما يُساهم في ارتفاع كبير لتكلفته، ونظرا في أنّ ليبيا تُعد عنصرا حيويا هامّا بالنسبة لأوروبا نتيجة حدودها الأطول على البحر المتوسط فإنها حتما ستشكّل العنصر سيحقّق لها أكثر استفادة مقارنة بأي بلد قد يصدّر الغاز لها، وذلك يثير أسباب الصراع والتنافس.

تعتبر أيضا مسألة الحدود الجنوبية مهمة بالنسبة لأوروبا، نظرا في أنّ أي دولة قد تكون لها نوايا في الضغط عليها فإن حدودها الجنوبية ستكون الهدف الابرز في خططها، هذا ما تتهم به روسيا تحديدا، حيث تسعى الاخيرة الى التضييق على اوروبا من جنوب المتوسط عن طريق بناء قاعدة عسكرية في ليبيا، وهي استراتيجية قامت بها سابقا في شرق المتوسط في سوريا من خلال القاعدة البحرية في طرطوس في سوريا.

بالنسبة للحدود الجنوبية الليبية فهي في تقاطع مع الصحراء الكبرى أين يحتد الصراع بين القوى الكبرى والجماعات المسلّحة والارهابية، سواءَ لبسط النفوذ أو لحماية المصالح من تهديدات الارهاب في منطقة الصحراء والساحل الغربي لإفريقيا.

تركّز فرنسا اهتماما كبير على العديد من الدول التي تقع على الحدود الجنوبية لليبيا، باعتبار أنها كانت من ضمن مستعمراتها القديمة ولازالت تربطها بها علاقات اقتصادية كبيرة، لذلك فقد أطلقت عملية برخان في بوركينا فاسو وتشاد ومالي وموريتانيا والنيجر وقد انتهجت الولايات المتحدة الامريكية نفس استراتيجية الصين من خلال قوات الافريكوم.

أمّا فيما يتعلّق بالحدود الشرقية هناك تداخل بين إقليم برقة الواقع في شرق ليبيا وقبائل غرب الاسكندرية الممتدة الى غاية هذه الحدود، إذ جاء الاسلام والتعريب من مصر الى ليبيا، كما تأثر الغرب المصري باللهجة الليبية والعادات والتقاليد البدوية، وكذلك مدن الدلتا المصرية بالهجرات القادمة من ليبيا وذلك ما يحيل على علاقات ثقافية واقتصادية قديمة بين البلدين لازالت قائمة، ذلك فإن توتر الاوضاع على حدود أي من دول الجوار سيؤثر بدوره على أوضاعها الداخلية وعلى العلاقات الاقتصادية.

 نظرا لموقع ليبيا الاستراتيجي وحدودها على الكثير من المجالات الحساسة، فإنه سيكون للأطراف المتصارعة سهولة كبيرة في توظيف الوكلاء لضرب الهدف، كل الاطراف المتدخلة في الشأن الليبي خوفا  رسمت سياساتها الخاصة بما يتماشى مع مصالحها وتوجهاتها.

2/الملف الليبي وعجز القوى الكبرى على اقتسام الغنائم

الفوضى وعدم الاستقرار هي الورقة الرابحة لكل الاطراف في ليبيا داخليا وخارجيا. فباستئثناء الشعب الليبي الذي عانى ويلات الحرب والنزوح واللجوء،استطاع السياسيون والدول الاجنبية الابقاء على مصالحهم باستغلال غياب سلطة موحدة للدولة والحكم بقانون الغاب حيث الكل يحكم بقدر ما تخول له قوته ومنطقته.

بالرجوع الى العلاقات التاريخية نجد ان ايطاليا هي الاكثر قربا في مستوى العلاقات الخارجية مع ليبيا الذي تعتبرها روما كأحد مستعمراتها القديمة، الى جانب العلاقات السياسية تربط ايطاليا وليبيا عامل القرب الجغرافي واقتسام الحدود البحرية دون ان ننسى العلاقات الاقتصادية التي في الحقيقىة تاتي في صدارة الاهتمام الايطالي والسبب الرئيسي لتدخلها في ليبيا.

تنشط شركة “ايني” الايطالية على الاراضي الليبية منذ 1959 واستطاعت مواصلة نشاطها حتى بعد الازمة في 2011 بل وبقيت الاكثر نشاطا من ضمن باقي الشركات النفطية ففي 2018 كانت “ايني” تنتج ما يقارب 302 الف برميل/اليوم في حين تنتج شركة “توتال” الفرنسية 36 الف برميل/اليوم والاسبانية “ربسول” 35 الف وتشترك باقي الشركات من مختلف الجنسيات الاخرى بانتاج 520 الف برميل/ اليوم.

كما ان ليبيا تزود روما  بـ 8 بالمائة من حاجياتها من الغاز الطبيعي عن طريق انبوب الغاز المعروفبـ” Green Stream pipeline” وتعد ايطاليا المستثمر الاول في ليبيا في الغاز الطبيعي وفي نفس الوقت المستورد الاول بنسبة 18 بالمائة من الصادرات الليبية.

 الى جانب الطاقة التي تثير اهتمام ايطاليا بدرجة اولى تعمل روما ايضا على تعزيز حدودها الجنوبية من خلال معالجة ملف الهجرة الغير الشرعية من افريقيا نحو اراضيها عبورا بليبيا، اذ بلغ عدد المهاجرين اللذين عبروا نحو ايطاليا في الاشهر الستة الاولى من سنة 2021  عددا كبيرا يقدر ب37 الف مهاجر غير شرعي من بينهم 9 الاف عبروا عبر الاراضي الليبية.

على خلاف بعض القوى التي تتمتع بوجود مسلح قوي على الارض فان ايطاليا تتميز بشبكة علاقاتها مع المحيط الليبي سواء العلاقات الرسمية او غير الرسمية، ففي الوقت الذي اغلقت فيه كل السفارات في ليبيا بسبب الحرب بقيت السفارة الايطالية التمثيل الاجنبي الوحيد الذي لم ينقطع في اسوا الاوضاع تدهورا الى ان شهدت البلاد انتعاشا دبلوماسيا بموجة عودة للسفارات الاجنبية منذ ارساء سلطة تنفيذية في البلاد.

الى جانب سفارتها في طرابلس كان لايطاليا قنصلية في طبرق منذ 2017ما جعلها تحظى بتواجد في كل من الشرق والغرب، وبالتالي قرب شديد للداخل الليبي واحاطة بالمتغيرات، تمكنت ايطاليا بذلك من ارساء شبكة مخابراتية هامة ضمنت لها حماية شركاتها ومصالحها.

عسكريا التدخل الايطالي المسلح ليس قوي ولكنه كافي لحماية مصالحها ففي 2016 وظفت ايطاليا مت يعرف بـ”Task Force Hippocrates” وصرحت رسميا ان القوات مهمتها دعم المهمات الاممية في ليبيا من اجل مواجهة داعش، واشرفت هذه القوات على عمليات دعم لوجستي وحربي في مصراتة، وقاد القوات الايطالية العميد “AlessioCavicchioli” احد اشهر قادة الجيش الايطالي.

تم اختيار ميناء طرابلس للقوات الايطالية من أجل البقاء قرب الخط الساحلي ومراقبة كل العمليات الحدودية ولكن ايضا من أجل البقاء في تواصل مع المجموعات المسلحة التي كانت تحت امراة حكومة السراج.

وقال كافيشيولي “نحن نتعامل مع وزارة الدفاع الليبية ومع رؤساء أركان الجيش والبحرية والقوات الجوية…تحليلاتنا بالنظر إلى الوضع المتغير، تستند إلى وزارة الدفاع الإيطالية.”

شاركت ايطاليا كذلك في مهمة “ايريني” الاوروبية من أجل ايقاف ادخال الاسلحة الى الاراضي الليبية وفي جويلية 2019 ارسلت مجموعة من المستشارين وفريق مختص في نزع الالغام من أجل مساعدة حكومة الوفاق من نزع الاغام في مناطق جنوب العاصمة.

أشارت بعض التقارير كذلك على العلاقات المتينة بين القوات الايطالية وقائد  خفر السواحل  بمدينة الزاوية،عبد الرحمان ميلاد المعروف باسم “بيجا” والذي اتهمته الامم المتحدة باطلاق النار على قوارب المهاجرين واغراقهم.

هذا القرب من الداخل الليبي وكافة المؤثرين فيه من سياسيين وزعماء قبائل وقادة المجموعات المسلحة مكن ايطاليا من ان تكون وسيط في اهم المفاوضات الاوروبية مع الاطراف الليبية وبذلك تمكنت من اثبات نفوذها السياسي في الدولة واشعاعها الاوروبي كقوة ذات وزن اقليميا.

هذا الدور الوسائطي اثبتته ايطاليا في مناسبات عديدة اهمها وصول حكومة فايز السراج في 2016 الى العاصمة طرابلس على متن باخرة ايطالية.

من خلال شبكة من العلاقات الرسمية وغير الرسمية ضمنت ايطاليا تواصل مصالحها وحماية اقليمها من خلال محاولات وقف تيارات الهجرة غير الشرعية و تجارة الممنوعات.

بناءا على علاقات تاريخية تمكنت ايطاليا من نحت علاقات متميزة عن باقي الاطراف الخارجية الاخرى.

حاولت فرنسا السير وفق نفس الاستراتيجية الايطالية،وهو ما خلق تنافس فرنسي ايطالي خاصة بعد مبادرة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون في ماي2018 الذي جمع فيها مختلف الفرقاءالليبين في العاصمة الفرنسيةخطوة جعلت ايطاليا تخشى من التأثير الفرنسي على القيادة الاممية لمسار تحقيق السلام في ليبيا، تنافس ضارب في القدم بين دولتين استعماريتين تنازعتا على منطقة شمال افريقيا.

حاولت فرنسا اتباع سياسة مزدوجة في ليبيا ولكنها وقعت في التناقض وجعل بعض القيادات الفرنسية تنتقد سياسة ايمانويل ماكرون وتصفها بـ”المتناقضة”.

حاولت باريس التنسيق مع مختلف الفرقاء الليبين فمن جهة دعمت الشرق ممثلا في خليفة حفتر واعتبرته طرفا هاما في سياسة مكافحة الارهاب في افريقيا خاصة بالتنسيق مع الرئيس التشادي ادريس ديبي قبل مقتله، والرهان على خليفة حفتر جعلها كذلك تكتسب حلفاء في ليبيا كمصر والامارات العربية المتحدة وهو ما يمكن بالتالي من ضمان صفقات بيع الاسلحة الفرنسية لهذه الاطراف.

من جهة اخرى عملت باريس على الحفاظ على علاقات جيدة مع حكومة الوفاق الوطني التي ترأسها فايز السراج، غير ان عداءها للاسلام السياسي حال دون اتباعها لسياسة واضحة ومتناسقة مع الحكومة التي حظيت باعتراف دولي في تلك الفترة. التذبذب في الموقف الفرنسي زاد من تعزيز التمكن السياسي لتركيا  في ليبيا وتمتين تحالفها مع حكومة السراج.

“سياسة مشوشة”بعبارة بيار فيليو الباحث في العلوم السياسية،اعادها البعض خاصة كبار المسؤولين في فرنسا الى سوء فهم الرئيس الفرنسي ماكرون للأوضاع السياسية في حوض المتوسط.

حاولت فرنسا ان تخلق رابط قوي مع الاوساط الليبية لتخفيض النفوذ الايطالي، غير ان فشل سياستها ادى ليس فقط الى تعزيز مكانة كل من تركيا وايطاليا بل الى تشتيت الموقف الاوروبي.

منذ بداية الازمة في ليبيا،لم يكن لدول الاتحاد الاوروبي موقف واحد ففي الوقت الذي دعمت فيه فرنسا فترة رئاسة ساركوزي التدخل للاطاحة بنظام معمر القذافي ابدت المانيا رفضا واضحا وامتنعت ايطاليا مبدىيا.

بعد مسيرة سياسية ومهنية في الموسسات الاوروبية استطاع رئـيس الوزراء الايطالي ماريو دراغي الملم باليات عمل هذه الموسسات من احداث وحدة في الموقف الاوروبي على الاقل في العلن وفي الاعلام مع الابقاء على دور ايطاليا كمنسق بين الاتحاد الاوروبي والاطراف الليبية.

فشل السياسة الفرنسية كذلك في ليبيا كان في صالح روما التي كانت الى جانب المانيا شريكان في موتمر باريس الثاني بخصوص ليبيا الذي تم تنظيمه موخرا في 12 نوفمبر 2021.

ويقول فرنسيس جيلاس الباحث في مركز برشلونة للشوون الخارجية”سيقلل جائحة كوفيد 19 والاستجابة الاوروبية لازمة المناخ من الانشطة التجارية للنفط ولكنه سيعزز الانشطة في قطاع الغاز الطبيعي استجابة للطلبات على الطاقة من الاسواق الليبية والاسيوية. ومع تطور الشراكة في مجال الطاقة،كانت الزيارة الاولى التي قام بها دراجي الى ليبيا في افريل 2021 تهدف الى اعادة إطلاق التجارة في قطاعات مثل البنية الاساسية والصحة للاستجابة للاحتياجات الانمائية الليبية مع توفير الفرص التجارية للشركات الخاصة الايطالية”.

لايطاليا مصالح هامة حمتها من خلال سياسة قائمة على الدبلوماسية و”اللعب بالجزيئـات” حسب تعبير الدو ليغا الباحث بالمعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، واستغلال للعلاقات التاريخية بينها وبين ليبيا لتكون بذلك الدولة الاوروبية الاكثر نفوذا في ليبيا.

على عكس ايطاليا اتبعت دول اخرى السياسة الحربية على غرار تركيا وروسيا.

بالنسبة لانقرة تمثل ليبيا تقاطعا لثلاث أهداف هامة في سياستها الخارجية وهي حماية مصالحها الطاقية والاقتصادية،ثانيا منافسة الدول العربية الماثرة في افريقيا والشرق الاوسط خاصة مصر والامارات العربية المتحدة.

اخيرا، الانطلاق نحو العمق الافريقي والالتحاق بقايمة الدول ذات الاشعاع الاقليمي والدولي.

ابرمالاتفاق العسكري التركي الليبي في 2019 مع حكومة السراج مكن تركيا من التحكم المباشر في الميدان من خلال اغراق الاراضي الليبية بالمرترقة السوريين. التدخل التركي اجج الصراع في ليبيا وزاد من غضب دول البحر الابيض المتوسط المعادية لتركيا خاصة قبرص وفرنسا واليونان من جهة والحليفة لقوات الجيش الليبي كروسيا ومصر والامارات العربية المتحدة.

من خلال دعمها للاسلام السياسي تمكنت تركيا من نسج علاقات متينة مع الحكومات المتتالية، فليست حكومة السراج وحدها التي حمت المصالح التركية ونفوذها بل كذلك حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة”فكرجل اعمال في الانشاءات،فان الدبيبة قريب جدا من دوائر الاعمال التركية، فضلا عن ذلك فهو من مصراتة معقل النفوذ التركي في ليبيا.

وبصورة عامة، شكلت الحكومة الموقتة خبرا سارا لتركياالتي لا تتحمل تبعات مزيد من التصعيد العسكري، من المرجح ان“تركيا ستواجه مزيدا من الضغط الدولي في الفترة القادمة وقد يكون وجودها العسكري وصفقاتها وقواعدها الازمة الكبرى” حسب جاليب دالاي الباحث بالمعهد الايطالي للدراسات السياسية الدولية.

كان لجماعة الاسلام السياسي دور في افشال انتخابات 24 ديسمبر2021في ظل وعي تام بضعف حظوظهم في الانتخابات، وان وصول سلطة جديدة ودائمة وخاصة موحدة للاقليم، ستحول دون مواصلتهم الاستفادة وخدمة مصالحهم.

تحت الضغط الدولي لاخراج مرتزقتها وكنس كل مشاريعها في المنطقة كان فشل الانتخابات جرعة انعاش لأجنداتاردوغان،لذلك سيعمل على الخلط الاوراق من جديد مع بذل الجهد للتقرب من دول العربية كمصر والامارات العربية المتحدة وخاصة الحفاظ على الاتفاقيات التي ابرمتها حكومتا السراج والدبيبة مع انقرة وهم اتفاقيات تقسيم الحدود البحرية واتفاقيات التعاون العسكري.

تركيا ليست الدولة الوحيدة التي تملك نفوذ عسكري في ليبيا واسافادت من تأجيل الانتخابات،بل روسيا كذلك.

تاريخيا كان لروسيا تأثير في منطقة المتوسط وبالتالي التدخل في روسيا ليس رغبة في بسط النفوذ الروسي في المنطقة بل في استعادته، بالنسبة للرئيس الروسي رؤية الدولة تفقد قوتها ما بعد الحرب الباردة والاستسلام لنظام عالمي على النموذج الغربي بقيادة امريكية هي مظلمة تاريخية وهو شعور كل النخب الروسية.

لذلك يعكس التدخل الروسي في ليبيا الاستراتيجية العامة لبوتن، فتدخله في ليبيا  خدم جملة من الاهداف اولها مواجهة المخطط الغربي والمصالح الامريكية دون ان ننسى ان حلف الناتو وقوات الافريكوم كانت وراء الاطاحة بنظام معمر القذافي من خلال دعم مسلح للمعارضة، من زاوية جيوسياسية،تبحث موسكو على قواعد عسكرية جديدة خارج البحر الاسود كنقاط تمركز متقدمة في مواجهة الحلف الغربي.

ليبيا كذلك مصدر تزويد هام من النفط والغاز ما يسمح لروسيا بتأمين حاجياتها الطاقية ولذلك كان تأمين المنشات النفطية أحد أهم مهام  فاغنر، مجموعتها القتالية الخاصة.

التدخل الروسي في ليبيا بقي في الظل منذ 2011 الى أن ظهر الى العلن في دعمها العسكري للشرق الليبي في 2019، وظلت موسكو طيلة سنوات تعمل بهدوء على تعزيز نفوذها في الدولة.

تأجيل الانتخابات جاء لصالح روسيا التي استفادت من تعقد الوضع الامني في الدولة، والذي مكنها من ابرام عقود عسكرية وكسب حصص من من انتناج المنشات النفطية الليبية دون ان ننسى ان ليبيا كانت بوابة عبور هام لتنقلات مقاتليها نحو دول الافريقية.

سياسة الولايات المتحدة كانت مختلفة تماما عن باقي الاطراف الاجنبية في ليبيا فبعد دعمها لاحداث 17 فيفري 2011 بشكل مباشر انسحبت واشرفت على الاحداث السياسية من خلال المنظمات الاممية تمثيلياتها الدبلوماسية، بالرغم من اغلاق سفارتها في ليبيا الا ان دبلوماسييها كان لهم تأثير واضح من خلال سفارتها في تونس.

عملت السفارة الامريكية في تونس على ابقاء شبكة علاقات هامة مع مختلف الاوساط الليبية،دون تدخل امريكي مباشر واضح وذلك لتجنب التسويق لصورة الولايات المتحدة كدولة تتدخل في الشؤون الداخلية للدول او كدولة عاجزة على حل الازمة الليبية طيلة عقد كامل.

عملت واشنطن في مختلف المراحل السياسية التي مرت بها الدولة على التدخل الانساني من خلال الجمعيات والمساعدات المالية والدعم الالنساني سواء للمهاجرين او من خلال مجابهة جائحة كورونا.

رصدت ادارة بايدن 30 مليون دولار في ميزانيتها لـ2021 تحت تسمية”مساعدة دعم الاستقرار في ليبيا” ورصدت ادارة بايدن 43 مليون دولار في ميزانية 2022 من اجل دعم المشاريع الاممية المتعلقة بليبيا.

في الواقع التحركات الدبلوماسية الامريكية لم تبد مجهودا سوى في الاشهر الثلاث الاخيرة التي سبقت الانتخابات،موكلة العمل للبعثة الاممية في ليبيا.

بالرغم مما أبداه ممثلي السياسة الامريكية من عزم على الوصول الى الانتخابات في ليبيا لكن،تبدو المبادرة جدية ولم تعكس رغبة حقيقية في دعم الوصول الى الانتخابات.

اهمية ليبيا في مخططات القوى الاقليمية والدولية عقدت الوسط غير ان التشتت في الموقف الوطني ايضا كان المحرك الاولي لكل الازمات، فالخلافات بين مختلف الاطياف السياسية والمؤسسات الراعية لمسار الانتقال السياسي حالت دون الحسم في مسالة انتخابات شرعية تضع حدا للازمة.

المراجع والروابط

•       Aldo LIGA, “Playing with molecules:  The Italian Approach To Libya”, IFRI,2018. https://www.ifri.org/sites/default/files/atoms/files/playing_with_molecules_the_italian_approach_to_libya.pdf

•       United World International,” Italian intervention in Libya: what are Rome’s key interests, positions, and strategies?”,2020.

•       Christopher M. BLANCHARD,” Libya and U.S. Policy”, Congressional Research Service,2021. https://crsreports.congress.gov/product/pdf/IF/IF11556

•       Galip DALAY,” Turkey’s Libya Policy :NewFlexibility,New Goals”, Italian Institute For International Political Studies,2021. https://www.ispionline.it/en/pubblicazione/turkeys-libya-policy-new-flexibility-new-goals-30609

•       Frederic WHEREY, “Libyan Armed Group And The Day After Elections”, Italian Institute For International Political Studies,2021. https://www.ispionline.it/en/pubblicazione/libyan-armed-groups-and-day-after-elections-32686

•       Francis GHILES, “A European Strategy In Libya :An Easy Bargain”, Barcelona Center For International Affaires,2021.

https://www.cidob.org/en/publications/publication_series/opinion/2021/a_european_strategy_in_libya_an_uneasy_bargain

•       UN Migration,LibyaCrisisResponse Plan 2020-2021, 2021. https://reliefweb.int/sites/reliefweb.int/files/resources/Libya%20Crisis%20Response%20Plan%2020202021.pdf

By admin