الأحد. ديسمبر 5th, 2021

اعداد : صبرين العجرودي باحثة في قسم البحوث والدراسات والعلاقات الدولية بالمركز الدولي

تختلف سياسة بسط النفوذ في القارة الافريقية بين القوى العالمية، فمنها من يعتمد القوة الصلبة ومنها من يوظف سياسته الناعمة في الدخول وبناء مناطق سيطرته، وهو ما يندرج بصفة واضحة في محاولة الصين التوسع وكسب شركاء من الدول الافريقية، لكن هذه السياسة ليست دائما مرتبطة بالمصالح المشتركة، إذ تغرق القارة شيئا فشيئا في بحر الديون دون وعي كبير منها بأن ذلك يُحكم عليها قبضة الصين.

تاريخ العلاقات الصينية الإفريقية

تعود العلاقات بين الصين وإفريقيا إلى التاريخ القديم، تحديدا في فترة الحرب الباردة، وقد كان مؤتمر باندونغ(Bandung conférence)  المنعقد في 24 أبريل 1955 النقطة المحورية في توطيد العلاقات بين القارة الآسيوية وبلدان القارة الإفريقية، حيث ضم 29 دولة من القارتين وتواصل مدة ستةأيام، كان أساسه “مبدأ عدم الانحياز” في فترة تاريخية اتسمت بالاصطفاف الدولي إما إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية أو إلى الجانب الاتحاد السوفياتي.

تراجعت العلاقات بين إفريقيا والصين في السبعينات، نتيجة تركيز اهتمامات الأخيرة على تطوير اقتصادها وتحسين أوضاعها الداخلية جراء الحرب مع الاتحاد السوفياتي، لكن مع تولي “جيانغ زيمين” (JiāngZémín) منصب الرئاسة لجمهورية الصين الشعبية في 27 مارس 1993 عادت الأمورإلى نصابها بشكل أقوى في إطار إقامة علاقة صداقة صينية-افريقية، وكان ذلك في نهاية الحرب الباردة بهدف الاتحاد والتعاون في إطار نظام دولي جديد.

الصين وتوظيف القوة الناعمة

تكتسب القارة الإفريقية أهمية كبرى بالنسبة للقوى العالمية، لما تتميز به من موقع جيو-استراتيجي وثروات طبيعية هامة لذلك فقد مثلت حلبة للصراع بين أقطاب القوى الدولية من الفترة الاستعمارية إلى غاية اليوم، فهي تعتبر من العناصر الهامة في استراتيجيات الصين في منافسة الولايات المتحدة الأمريكية، وتركز بكين اهتمامها على إفريقيا من الجانب الاقتصادي على وجه الخصوص، و تعبر الدول الإفريقية عن ترحيبها بالشريك الصيني داخل أراضيها، حيث تعتبر أن سياسات بكين لا تعتمد في بناء علاقاتها مع القارة على الهيمنة واستغلال الثروات، وأنها أكثر ليونة في تقديم المساعدات، فهي على حد تعبيرهم تعتمد على آليات ضامنة فعليا للمصالح المشتركة بين الطرفين دون التدخل في الشؤون الداخلية أو السياسات العامة للدول التي تعتبرها شأنا داخليا.

يُطلق على الاستراتيجيات الصينية اتجاه القارة الإفريقية بالـ” السياسة الناعمة”(Soft Power) حيث تقوم الصين بالتريث والحذر والدراسة الجيدة لقراراتها المتعلقة بالقارة قبل مرحلة التطبيق وفق منهجية علمية براغماتية، وذلك على عكس الولايات المتحدة الأمريكيةوأوروبا الذيطالما استخدما مقاربة القوة الصلبة في سياستهما اتجاه القارة، وعاد عليها ذلك بالفشل في تحقيق العديد من أهدافها وحازت على كره الشعوب لهما فانهم يعتبرونها دول استعمارية.

وتأتي السياسة الصينيةبهدف السعي لبناء علاقات تعاون وشراكة مع دول القارة في عديد المجالات، على رأسها المجال الاقتصادي، وترتكز السياسة الناعمة على الجذب والإغراء دون اعتماد الإرغام والقهر ووسائل التهديد الأخرى، أي بما يعتبر قوة التعاون الطوعي (Voluntarycooptive power)باعتماد الوسائل الحضارية والاقتصادية والدعائية، وتساهم هذه القوة في إعادة تشكيل منطق التفكير لدى دول القارة الإفريقية لصالح الطرف المقابل، وقد تجلى ذلك من خلال الترحيب بالشراكة الصينية من القادة الإفريقيين .

فماذا عن الديون الصينية للدول الافريقية؟

بعد الفترة الاستعمارية، وجدت القارة الإفريقية نفسها منهكة اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، وقد فتح ذلك المجال أمام القوى الطامعة في ثرواتها للدخول في قلب القارة وتوقيعها في شراك الديون، في ظل عجزها عن توفير أبسط مقومات العيش لسكانها، لذلك لم تجد هذه الدول من مخرج إلا الدخول تحت سقف التداين من القوى العالمية، مما جعلها في وضعية تبعية وخضوع .

وظفت الصين مبالغ هامة لتحسين البنية التحتية داخل القارة والقيام بعديد الاستثمارات مقابل الوصول إلى الموارد والثروات الطبيعية للقارة وهذا في اطار استراتجية “الرابح-رابح” والمشروع الكبير “الحزام والطريق”، كما تعمل الصين على ترسيخ ثقافتها ونظامها البيروقراطي داخل البلدان الإفريقية.

تقوم الصين بتقديم القروض للقارة الافريقية دون فوائد،ويندرج ذلك في إطار سياستها الناعمة اتجاه القارة، وقد اعتبرالخبراء الإفريقيين بأن ما تقوم به الصين اتجاه القارة فيما يتعلق بهذا الجانب هو طريق للوصول الى الموانئ والاراضي وتحسين العلاقات أكثر مع زعماء القارة، أي تحقيق المصالح المشتركة.

و قد قامت الصين في الكثير من الاحيان باعفائها عن تسديد المبالغ التي أقرضتها لبعض دول القارة االتي تمر بصعوبات اقتصادية، إذ تملك الصين حوالي 62 بالمائة من الديون الثنائية الرسمية المستحقة على إفريقيا في عام 2020، ولا يعتبر ذلك جيدا بالنسبة للقارة الافريقية التي تغرق نفسها بالديون دون التعويل على نفسها، وقد وأشارتالإحصائيات مؤخرا إلى أن ديون أنغولا بلغت 25 مليار دولار، كينيا 8مليار دولار، كونغو 8 مليار دولار، السودان 7 مليار دولار، زامبيا 7 مليار دولار، الكاميرون 6 مليار دولار، نيجيريا 5 مليار دولار، غانا 4 مليار دولار، كونغو الديمقراطية 4 مليار دولار، مصر 4 مليار دولار …وللنهوض بأوضاعها بصفة وقتية، اعتمد البعض من هذه الدول طلب مهلة على تسديد الديون واعادة جدولتها وتخفيف الضغط عليها.

By admin