الأحد. أكتوبر 17th, 2021

إعداد: صبرين العجرودي- رباب حدادة-

اليوم نطرح من جديد موضوع الانقلابات العسكرية في القارة الافريقية التي تعودنا من فترة الى أخرى نسمع بانقلاب عسكري يختلف فيه اللاعبين كثيرا،ولكن الشكل النمطي للانقلاب العسكري واحادي الوصف لم يعد كافيا لتحليل وقرأة الظاهرة، ويتفق أغلب الملاحظين والمتابعين بأنها نابعة من المنظومة العسكرية داخل البلاد،ويكون محرّكها طرفا خارجيا وليس هناك خيار الا الخضوع لإرادته.

ولكننا اليوم وفي هذا التقرير نريد أن نقرأ الشكل الجديد للانقلابات داخل القارة الافريقية وانقلاب الموازين ضمن التحولات الجيوسياسية واستراتيجية  الدولية والاقليمية والعالمية، فاللاعبين السياسيين في هذه الدول قد تغيروا والقوى الاقليمية لم تعد هي نفسها.

فماذا إن انقلبت الموازين وأصبحت الاطراف الداخلية هي المحرّك الفعلي الانقلاب وارادة الشعوب هي من تفرض الانقلاب وتصبح القوى الاستعمارية هي من يجب عليها الخضوع؟

هل يمكن تسمية ارادة الشعوب انقلاب؟

قارة الانقلابات العسكرية

” قارة الانقلابات العسكرية “، هكذا يُطلقُ على القارّة الافريقية، لِما حفل بهتاريخها بعديد الانقلابات التي ناهز عددها بعد فترة الاستقلال من الاستعمار الغربيما يقارب 201 انقلابا، لكن ذلك العهد لم يمرّ مثلما اعتقد الكثير من الخبراء ومحللي الشأن السياسي، فطالما لازال الصراع بين القوى العالمية متواصلا من أجل كسب النفوذ والهيمنة السياسية على كل الدول الافريقية واستغلال قدراتها البشرية والثروات الطبيعية طبعا بتعيين موالين لهم، ولكن لم تشهد  بلدان المصالحوالبلدان الاستعمارية ذلك الاستقرار المأمول، والانقلاب العسكري الذي حصل مؤخرا في غينيا يمثّل خير دليل على تواصل سلسلة الانقلابات منذ سيتينات القرن الماضي الى غاية اليوم .

إذ تعتبر هذه القارّة من أغنى القارات في العالم على عديد المستويات، نتيجة ما تحمله من ثروات طبيعية هائلة، وقدرات بشرية خارقة، وهو ما جعل اقطاب القوى الدولية تضع التمركز في إفريقيا هدفا واضحا يمكّنها من تحقيق اهدافها، و قد أخذ التدخل أشكالا عديدة أهمّها مساعدة هذه الدول في حل أزماتها نظرا لما تعانيه من مشاكل أمنية واجتماعية واقتصادية، وقد مثّلت الانقلابات العسكرية استراتيجية هامّة للدول المتصارعة حتى تتمكّن من السيطرة و ضمان المصالح  .

حيث تستغل الأطراف الخارجية الاوضاع المتأزمة في الدول الافريقية حتى تقوم بتحريض حلفائها الداخليين على القيام بانقلاب على الحكم الذي لطالما وقف حاجزا امام نفوذها، و هو ما حصل في مالي في عام 2012، فعندما رفض رئيس الجمهورية المالية “أحمد توماني توري” (Amadou Toumani Touré) النفوذ الامريكي، قامت الاخيرة بتحريض النقيب ” أمادو سانوغو ” (Amadou Haya Sanogo)الداعم لها حتى ينقلب على النظام وتدخل الدولة في صراعات كبيرة جدا وفي حرب أهلية ونفوذ متمردين مسلحين وجماعات ارهابية وبالتالي تأتي الدولة الاستعمارية لكي ترسي قواعدها العسكرية وتتحكم في مصير شعب وتسلب منه سيادته الوطنية بطريقة مباشرة وفضّة سئمها الشعب المالي والشعوب الافريقية بصفة عامة فالشعوب اليوم تنادي “لا وصاية للخارج على دولنا” لا للتدخل الخارجي” “السلطة ملك الشعب” وغيرها من الشعارات، وبالتالي في قرأتنا يمكننا اليوم الحديث عن اشكال جديدة تفرض انقلاب على الوصاية الخارجية بل أنها ليست انقلابات أنما نعتربها استقلال جديد لهذه الدول وخروج من الوصاية الاستعمارية.

وبذلك فإنّ الانقلابات العسكرية في القارة الافريقية  تشكّل أيضا وسيلة هامّة للصراع بين القوى العالمية لبسط نفوذها، لكن ماذا إذا كان هذا الانقلاب نابعا من الداخل دون تدخّل خارجي؟

الديناميكية الجديدة للانقلابات العسكرية

كثيرا ما كانت تعتمدالسلطات العسكرية التي تتزعم السلطة السياسية مباشرة بعد الانقلاب على الاعتراف الخارجي او على الاقل البقاء في منأى على ضغوطاتها والعقوبات التي من الممكن ان تترتب عن المقاطعة الدولية، لكننا نجد ان هذا الوضع يتغير في الاتجاهين اي من جهة السلطة المنقلبة ومن جهة ردود الفعل الخارجية.

بالنسبة للدول الافريقية،  ظاهرة الانقلابات العسكرية ظاهرة قديمة،مستمرة،ومتواترة تندلع بدوافع ايديولوجية او مصلحية لجهة داخل الدولة، ولكن بمجرد نجاح الانقلاب، الارادة الداخلية تقع قيد الارادة الخارجية التي تسيّر الدولة والسلطة المنقلبة وفق املاءاتها أو تحديدا كما تمّ الذكر وفقا لمصلحتها.

هذه الديناميكية تعرف تغيرا في سيرها وفي الاطراف التي تقودها، فالدول الافريقية تقع تحت التأثير الخارجي للدول الاستعمارية التقليدية (الدول الاوروبية+ الولايات المتحدة الامريكية) بصفتها القطب المسيطر على القارة،  ولكن هذه العلاقات تتغير بظهور قوى تنافس بجدية كبيرة الدول الاوروبية بل وتكتسح الميدان والملعب الافريقي بقوة مثالية وتكون محل قبول من الشعوب التي تعلم جيدا بأن تاريخ هذه القوى الصاعدة ليس استعماري ولا للهيمنة بل يتعامل مع الشعوب بنظرية الرابح-رابح وهي الصين وروسيا، تبعا لهذا التغير في العلاقات انحلت القطبية الاحادية لفائدة علاقات دولية تسيرها منطق تنافس متعدد الاقطاب وحراك كبير في العلاقات الدولية.

وفق هذا المنطق الجديد ضعف الضغط الخارجي المركزي ليتحوّل الى استقطاب استراتيجي ولم تعد السلط العسكرية المنقلبة تحت سيطرة القوى الاستعمارية وخاضعة لإملاءاتها وانما اصبحت تلقى دعم من الشعب والأهم من ذلك تتلقى الدعم والحماية من الحلف المنافس(روسيا او الصين )وبالتالي البديل للدولة المؤثرة تقليديا بما يمكّنها من تعويض الاملاءات باتفاقات مع شركاء جدد.

كما يجدر الذّكر، بأنّه ليس هناك حليف ثابت أو واضح منذ البداية، لكن تحصيل الدّعم من أي طرف كان أمر سيكون مضمونا حتما بالنسبة لقيادات الانقلاب، وسيتقاطع مع مصلحة جهة معيّنة مقابل تفكيك الارتباط مع “حليف تقليدي صديق عدو” ومنها يكون التخلص من ارتباط كان يضر بمصالح الشعب والدولة، وهو ما يبيّن تحديدا الطريقة التّي يتمّ من خلالها استغلال الصراعات الدولية.

فيما يتعلق بالسلط المنقلبة اصبحت اكثر تركيزا على الحراك الشعبي والموقف الداخليالرافظ لحليف الحكام والداعم للطبقة السياسية الفاسدة،اذ نجد أنّ اغلب القرارات المتخذة في فترة ما بعد الانقلاب هي اطلاق مشاريع للحوار مع المعارضة والمجتمع المدني ونجد كذلك مبادرات للمصالحة الوطنية وخاصة الخروج من جلباب مستعمر متستر تحت جلباب الحاكم.

ففي التشاد مثلا عمل محمد ادريس ديبيعلى اطلاق حوار وطني جمعه مع المعارضة ومنظمات المجتمع المدني والأحزاب المدنية في محاولة لكسب شرعية داخلية تقويه من الداخل حتى لا ينفرد به الخارج ويصبح مثله مثل غيره مجرد لعبة تحركها القوى الخارجية.

مفهوم الانقلابات العسكرية النمطية التقليدية هي الخروج على كل الاطر القانونية والدستورية التي تسير الدولة بل ويقتل فيها الشعب ويفاجئبها الشعوب ويدفعون ثمنا لم يكن لهم فيه يد ولا اختيار. ولكن اليوم تغيرت الظروف واخذت طابعا شرعيا فلا يمكن أن نقول على ارادة الشعوب انقلاب ولا على من يحاول اصلاح ما افسده الاستعمار وارادة الشعوب للتحرر هو انقلاب.

فالأشكالالجديدة والمفهوم الحديث للانقلاب قد أصبح له طابع التحرر من الهيمنة وفرض طبقة سياسية لم يخترها الشعب ولهذا نجد الانقلابات ليس لها طابع دموي بل الانقلابات تحضى بترحيب الشعب،  فهي لم تعد انقلاب بل أصبحت تسمى “تصحيح مسار” “تحرر” “استقلال” فقياداتها اصبحت تحضى بشرعية شعبية منقطعة النظير تأخذ شرعيتها من خلال تحقيق مطالب شعبية وخاصة تخفيض حدة المعارضة واستيعاب الرفض الشعبي.

في غينيا ومالي نجد محاولات مشابهة من السلط العسكرية للتشاور مع المجتمع المدني كحراك 5 جوان  في مالي والذي تقلد زعيمه شويكال ميغا رئاسة الحكومة بوزراء اغلبهم مدنيين، وكان الحوار مع مبادرة المشاورات الوطنية من اجل ارساء سلط انتقالية، في غينيا كذلك فالانقلاب قد قبل بفرح كبير من الشعب الغيني ومن المعارضة واعتبروه انفراجا، بل والعسكريين قدأفرجوا على كافة المعارضين السياسيين.

تأتى كل هذه المبادرات في اطار مجهود قادة “التحرير” أو “التغيير” لنيل الشرعية الداخلية،فالشعوب الافريقية عامة عانت لعقود من الانظمة الفاشلة والدكتاتورية التي جلبت لها الويلات، ولذلك لم تعد تقبل اي تغير في المشهد السياسي كما هو، وتستسلم لحتمية الوضع وانما اصبحت تقاوم اي تحول سياسي تعتبره تهديدا، لم تعد السلط العسكرية “المنقلبة” تحركها الايادي الاستعمارية الخارجية، ولم يعد الضغط الخارجي همهم الوحيد بل استقواء المعارضة والحراك الشعبي والمنظمات المدنية والتي اتخذت مكانها ضمن حلقة السلطة واصبحت هذه القوى العسكرية “المنفذة للانقلاب”تخضع للحراك الداخلي ومطالبه،لأنه اصبح اكثر استقلالية من الضغط الخارجي.

كما كان الأمر في مصر فالسلطة العسكرية قد خضعت ونفذت مطالب شعبية ولم تخضع الى الاملاءات الخارجية فالاحتجاجات الشعبية  كانت منطلقا لها، وذلك من أجلالإطاحة بالسلطة السياسية التي جاءت بها الآلة الخارجية فهي حكومة ما وراء البحار وولائه للخارج وليس لمصر وهذا ما أدركه الشعب المصري ورفضه فالتجأ الى مؤسسته العسكرية لتنقذه.

ولم تخضع المؤسسة العسكرية للضغط الخارجي وللقوى الاوروبية والولايات المتحدة الامريكية، لم يكن له تأثير على قرار الشعب ولا على القيادة، ليس لضعف نفوذ تلك الدول على مصر بل بالعكس كانت الولايات المتحدة الامريكية تضخ سنويا 2،1 مليار دولار للميزانية المصرية، غير ان السلطات المصرية في تلك الفترة اغمضت اعينها عن الضغط الغربي واعتمدت على كل من الدعم الروسي والصيني وعملت على استرجاع سيادتها الوطنية بعيدة عن الاملاءات الخارجية وضغطاتها.

المتغيرات السياسية في افريقيا حركت موجة من الانقلابات العسكرية ولكنها انقلابات بخصائص مختلفة حتمتها طبيعة الدول وكذلك تغير الفكر السياسي لدى شعوبها.

By admin