الأحد. أكتوبر 17th, 2021

بقلم: غيث الشاوش أستاذ قانون عام بالجامعة التونسية

تونس05-08-2021

يُعرف “الجديد قبل كل شيء بمدى اختلافه مع ما كان يعنيه القديم في الاساس”. 

إنّ تطبيق هذه القاعدة الاساسية، على بساطتها، في دراسات الانتقال السياسي، على المشهد التونسي الطارئ بعد أحداث 25 يوليو 2021 يحملنا إلى نتيجة حتمية : ألا وهي أنّ البلاد تقف بالفعل عند بداية مرحلة سياسية جديدة تختلف من حيث معالمها مع ما كان قبل 25.

و إذا ما أردنا لمشهد ما قبل 25 جويلية، على شديد تعقيده، من معالم مرجعية تمكنّنا من قياس حجم التغيير الذي حملته أحداث عيد الجمهورية الأخير، يمكننا بلا شكّ الوقوف عند معرّفين اساسيين : معرّف سياسي يتمثّل في مركزية حركة النهضة كحزب الحكم الأول والأقوى في البلاد خلال العشرية الماضية ودون انقطاع تقريبا. ومعرّف مؤسساتي دستوري يتمثّل في الطبيعة البرلمانية للنظام السياسي ومركزية البرلمان كمؤسسة الحكم الاولى .

يكفي في نظرنا، بهاذين المعلمين معيارا نقيس به وندرك من خلاله عمق التغيير الحاصل في المشهد السياسي التونسي بعد 25 جويلية .

محدّد أوّل إذا للمشهد الجديد في تونس يتمثّل، بلا شك، في ما يشبه انهيارا كاملا لحركة النهضة في الشارع قبل مؤسسات الحكم. نفس هذا الشارع الذي خطّت به الحركة الاسلامية جزءا أساسيا من سردّية حكمها في العشرية الماضية من خلال التسويق لصورة القواعد الوفيّة، المنضبطة لقيادتها، شديدة الولاء دائمة الاستعداد للذود عن حركتها.

شاهد التونسيون والعالم من خلال مشهد 25، عجز الحركة الكامل تقريبا عن الدفاع عن مقرّاتها أو حتى عن تحريك مظاهرة بضع مئات كما طلبت و كرّرت قيادتها. هو ذا المحدّد الأوّل لجديد تونس، أي في المحصّلة انهيار حزب الحكم شعبيّا ورمزيّا وانتقاله في يوم وليلة من صدارة الشارع السياسي إلى هامشه.

محدّد ثانٍ لجديد تونس، مؤسّساتي دستوري هذه المرّة، و يتمثّل بكل بساطة في انتقال مركز ثقل الحكم من البرلمان الى رئاسة الجمهورية. يُصاب نظام الحكم،خلال العشرية الماضية، في مقتل هنا.

 في هندسته الدستورية تحديدا، التي أريد لها أن تكون برلمانية حدّ التعسّف والتيأريد فيها للبرلمان ومن يحكمه نصيب الأسد في توازنات السلط. يسقط البرلمان كمؤسّسة الحكم الأولى تباعا لسقوط حزبه الأوّل، ويستعيد رئيس الجمهورية في ساعات مركزيتي التمثيل والصلاحيات.

تكتمل بذلك في نظرنا، محدّدات بداية مرحلة سياسية جديدة في تونس، مرحلة تحمل في مستهلّها عنوانا سياسيا واضحا هو ‘ما بعد حركة النهضة وما بعد مركزية النهضة كحركة الحكم الأولى’، و عنوانا مؤسساتيا واضحا هو “ما بعد الحوكمة البرلمانية أو ما بعد النظام البرلماني”.

و لمّا كانت أحداث 25 جويلية بما حملته من هبّة شعبية وإجراءات رئاسية استثنائية واضحة لجهة القديم الذي تنهيه، فإنّها بلا شكّأقلّ وضوحا وأكثر ضبابية لجهة الجديد الذي تنقلنا اليه.   

تقف البلاد إذا عند نقطة مفصليّة في المعنى الحرفي للكلمة،أي عند نقطة الفصال تحديدا بين نهاية نظام سياسي قديم تهالك بنيانه على كل المستويات، و بين بداية مشهد سياسي جديد نرى طريقه تشابكا بين مسارين اثنين.

مسار القطع السياسي أوّلا: أنّ كل إجراء تتخذه الرئاسة كممثّلة شبه وحيدة للشرعيّة الدستورية اليوم، يفترض به أن يكون في اتجاه حصري وواضح، وهو القطع المبرم مع منظومة ما قبل 25 في كلّ عناوينها السياسية وفي كلّ وجوهها وفي كلّ الديناميات الحزبية التي كانت تشتغل بها.

بتعبير آخر، أنّ كل محاولات رسكلة مشهد ما قبل 25 وفاعليه من خلال اعتماد خطابات مراجعة كاذبة أو الركون إلى صفقات سياسية عبر تشكيل الحكومة العتيدة، لن تكون سوى تعفينا للمشهد التونسي المتعفن أصلا و إعدادًا بالتالي لحلول ستأتي هذه المرة بلا شكّ من خارج السياسة ومن خارج المؤسسات.

مسار الإصلاح الدستوري ثانيا: أنّأحداث 25 جويلية لم تكن هبّة شعبية ضدّ حركة النهضة كحزب اسلامي بقدر ما كانت هبّة ضدّها كعنوان أبرز لمنظومة حكم فاشلة،لا معنى إذا لجديد أو تجديد بعد. 25 إذا لم يوجّه أوّلا للمكوّن الأساس للمنظومة ولسبب فشلها الرئيسي في تقديرنا وهو هندستها الدستورية.

هندسة كانت ترجمة لاتفاق سياسي بين قوى حزبية وليس لمسار وفاق وطني حول مفاهيم الشعب والنظام السياسي والسلطة.

وهندسة قامت بالأساس على تشتيت الوظائف وليس على توزيعها، وعلى عزل المؤسسات وليس على فصلها، وعلى سطوة البرلمان وليس على توازن السلطات.

يكون من الطبيعي إذا أن نعتبر أنّ محاولة اطلاق عملية سياسية جديدة ضمن نفس الهندسة الدستورية التي تسبّبت في تعفّن العملية القديمة محض عبث، وأنّه لاستقرار للبلاد ولا كيان لديمقراطية فيها من خارج اصلاح دستوري وقانوني عميق.

By admin