الأحد. ديسمبر 5th, 2021

تقرير لقسم البحوث و الدراسات الافريقية بالمركز الدولي للدراسات الاستراتيجية الأمنية و العسكرية

تقديم : صابرين العجرودي

تونس 03-03-2021

يشترك مفهومي الحدود و التخوم في تحديد الرقعة الجغرافية لكل دولة، لكنهما يختلفان على المستوى الشكلي، حيث تُعتبر الحدود خطوطًا فاصلة بين الدول بينما تكون التخوم مناطق حدودية طبيعية مثل الأنهار أو الجبال او الغابات. و في أغلب الحالات تصبح مسألة الحدود مصدرا للنزاعات وللحروب بين الأقاليم حيث تتضارب المصالح بين مختلف الأطراف، سواءً منها الداخلية أو الخارجية، و يعود ذلك لكون المجال الجغرافي التابع لكل دولة هو بالأساس مجال لبسط النفوذ و السيادة.

و في أغلب الاحيان تستغل القوى العالمية مسالة النزاع الحدودي، لتكون لعبة تقوم بتحريكها تحقيقًا لمصالحها حيث تعتمد التدخل المباشر والغير المباشر خاصة الحرب بالوكالة، مستغلة كل الاعبين المحليين لتحريكهم لتجد لنفسها منفذا للقيام باختراق الدول المستهدفة و الهيمنة عليها.

و لا تزال منطقة القرن الإفريقي محل أطماع و تنافس بين القوى الدولية الكبرى، انطلاقا من تنافس القوى الاستعمارية بين بريطانيا وايطاليا و فرنسا، و خلال الحرب الباردة بين الاتحاد السوفياتي و الولايات المتحدة الأمريكية والى اليوم تشهد منافسات دولية و إقليمية  متصاعدة تصل الى حد التصعيد و التوتر.

1- أهمية القرن الإفريقي

على المستوى الجغرافي تمثل منطقة القرن الإفريقي أهمية بارزة، فهي المدخل الأساسي لإفريقيا من جهة الشرق، كما أنها تسيطر على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر عبر باب المندب و هو ما يعطيها أهمية جغرافية و استراتيجية على المستوى الإفريقي و العالمي، نظرا لأن البحر الأحمر يتمتع بخصائص جيوبولوتيكية تجعل منه ممرا رئيسيا لبترول الخليج العربي إلى أوروبا و أمريكا و روسيا، فضلا عن ذلك مثلت المنطقة ممرا للتحركات العسكرية للبعض من القوى الكبرى المتجهة لمنطقة الشرق الأوسط و الخليج العربي.

و يأتي البحر الأحمر في منطقة مركزية تحيط بها دول القرن الإفريقي و الشرق الأوسط و العالم العربي، لذلك فإنه يستمد أهميته السياسية من كونه ذو أهمية امنية قومية للدول المطلة عليه، و هذه الدوائر الأمنية متصلة و متداخلة و مركز ثقلها الاستراتيجي هو القرن الإفريقي و ما يجاوره من مناطق اخرى، بحيث مثلت المنطقة ممرا للتحركات العسكرية للبعض من القوى الكبرى المتجهة للشرق الأوسط و الخليج العربي.

2- الصراعات الحدودية  في القرن الإفريقي

الصراع الكيني الصومالي  

تعود أسباب الخلاف بين الصومال و كينيا حول الحدود البحرية و هي منطقة حدودية غنية بالنفط و الغاز. وانطلقت الأزمة منذ سنة 1979 بعد إعلان الرئيس الكيني الأسبق دانييل موي ملكية هذه المنطقة البحرية لكينيا، و كان عام 2009 هو تاريخ توقيع اتفاقية بين البلدين، و قد استجاب الطرفين لشروطها حتى حلول عام 2011 إلى أن قام البرلمان الصومالي بالخروج عن الاتفاقية معتبرا  أنها وسيلة لاستغلال مناطق تابعة للصومال. و كانت هذه المبادرة الاستفزازية من البرلمان الصومالي، نقطة انطلاق بالنسبة لكينيا في انتهاج سياسات معادية، حيث تبادلا الطرفين سياسات تصعيدية أدت إلى لجوء صومال إلى محكمة العدل الدولية، إلا أن كينيا لازالت تعتمد المراوغة و سياسة التهدئة بتأجيل الدعوى، بانتظار استكمال الانتخابات الصومالية و فوز حليفها رئيس إقليم جوبالاند جنوبي الصومال الذي تقوم بدعمه. 

الصراع الأثيوبي السوداني  

يدور النزاع الحدودي بين أثيوبيا و السودان حول منطقة الفشقة أين يلتقي شمال غرب منطقة أمهرة الأثيوبية بولاية القضارف بالسودان. و قد استقر المزارعون الأثيوبيون في المنطقة، إلى أن توصل الطرفين إلى اتفاق سنة 2008 اعترفت فيه أثيوبيا بالمنطقة الحدودية لصالح السودان التي سمحت باستمرار النشاط الزراعي الأثيوبي في الفشقة. وبعد عقود من الاتفاق عادت الأوضاع للتأجج من جديد و ذلك بعد تغير السلطة الحاكمة في أثيوبيا عام 2018 حيث اعتبر زعماء عرقية الأمهرة أن الاتفاقية ليست قانونية و قام الجيش السوداني بطرد المزارعيين الأثيوبيين من المنطقة، و انطلقت فيما بعد موجات التصعيد بين الطرفين الى أن وصلت تنذر بقيام حربا بين الجارتين.

الصراع بين اريتريا و جيبوتي

يعود الصراع بين اريتريا و جيبوتي حول المنطقة الحدودية الجبلية، حيث قامت حرب بين الطرفين في عام 2008، وكان للتدخل القطري دور في انعقاد اتفاقية بين الطرفين استمرت 6 سنوات، عاد على اثرها الصراع في يونيو عام 2017. و قد امتدت الأزمة الخليجية آنذاك إلى القرن الإفريقي، حيث أدت المقاطعة مع قطر من قبل الدول الخليجية الى أن وصل بكل من جيبوتي و ارتيريا الى تخفيض مستوى التمثيل الديبلوماسي لدى قطر، مما أدى إلى سحب الدوحة  قواتها العسكرية من المنطقة الحدودية للطرفين وبذلك عادت للأزمة للإشتعال وتنذر بتصعيد خطير.

3- التنافس حول القرن الإفريقي و النظام العالمي الجديد

في الوقت الذي تتأجج فيه الصراعات داخل منطقة القرن الإفريقي، تقوم القوى العالمية بتأجيج هذه الصراعات بما يتماشي مع مصالحها، و رسم توازنات إقليمية جديدة ضمن النظام العالمي الجديد، و هو ما يعود إلى إعادة تشعب أزمة الحدود و تعزيز التحالفات من أجل بسط النفوذ و الهيمنة و استغلال تلك الدول.

بدأ التنافس حول منطقة القرن الإفريقي في البداية بين القوى الإستعمارية، بريطانيا وإيطاليا وفرنسا ثم خلال الحرب الباردة بين الإتحاد السوفياتي و الولايات المتحدة الأمريكية. وانتهت الحرب الباردة بسيادة الولايات المتحدة على العالم وعملت على تعزيز مصالحها في دول القرن الإفريقي، من خلال تكثيف حضورها العسكري تحت غطاء القضاء على الإرهاب، كما عملت على دعم جيوش القرن الإفريقي حيث أنشئت مكتبين لتقديم المساعدات الأمنية بجيبوتي و كينيا.

لم تكن الولايات المتحدة وحدها من سارعت إلى تكوين القواعد العسكرية، فقد تسارعت مختلف الأطراف و القوى الإستعمارية القديمة إلى التنافس من أجل إنشاء قواعد عسكرية في المنطقة مستغلة بذلك حاجة دول القرن الإفريقي إلى مداخيل تأجير هذه القواعد العسكرية.

لا يمكن أن تغيب فرنسا المستعمرة التقليدية لجيبوتي عن الواجهة، فقد قامت بتجديد قاعدة عسكرية بالمنطقة في سنة 2011 بدافع معاهدة التعاون الدفاعي، و تقدر عدد القوات الفرنسية بجيبوتي بحوالي 2000 جندي و لها مهمة تأمين الحركة التجارية عبر مضيق باب المندب و دعم جيبوتي عسكريا و حمايتها.

و قد آلت التحولات الدولية لتصبح الصين المنافس المهدد للقوة الامريكية و هو ما يمثل هاجسا بالنسبة لمساعي أمريكا و مهددا لطموحها، و انظمت كل من روسيا و ايران و كوريا الشمالية إلى قائمة المهددين لقوة الولايات المتحدة الأمريكية. و مثلت منطقة القرن الإفريقي دافعا هاما للصعود الاقتصادي الصيني، حيث قامت بإنشاء حزام ينطلق نحو آسيا الوسطى إلى شرق إفريقيا وصولا إلى اوروبا و قد مثلت جيبوتي نقطة و ميناء بحري نحو اوروبا. كما أسست الصين أول قاعدة خارجية سنة 2017 تم بموجبها نشر ما يقارب 10 ألاف عسكري و قد تم التصريح بأن هدفها هو مكافحة الإرهاب، و هو مثّل مخاوف لدى الولايات المتحدة عن الأهداف الحقيقية، وبذلك فقد انتقل النزاع الاقتصادي العالمي  بين الولايات المتحدة الأمريكية و الصين إلى حرب و تنافس لتكوين قواعد عسكرية في القرن الإفريقي .

4- أهم السيناريوهات للصراعات الحدودية في القرن الإفريقي

السيناريو الاول

بالنظر إلى التمركز الكبير للصين في جيبوتي، فقد وجهت الولايات المتحدة أهدافها نحو ايريتريا التي لازالت مستعدة لاستقبال قاعدة عسكرية أمريكية جديدة و بالتالي دعم النفوذ الامريكي في المنطقة. و قد لا تكون حل الأزمات الحدودية في منطقة القرن الإفريقي في مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية وهو ما يفسر عودة الصراعات الحدودية في المنطقة، و يمكن أن تكون عودة النزاعات حركة استباقية للمصالحة الخليجية التي ستمثل توازن إقليمي جديد في منطقة القرن الإفريقي ستقوم الولايات المتحدة الأمريكية بتحريكه و بالتالي ستقوم الأطراف الخليجية بضخ الصراعات واعتماد سياسات جديدة لا ضعاف كل من القوة الصينية الروسية والإيرانية واستهداف مناطق نفوذهم بالعمليات الارهابية والمرتزقة الذين أصبح لهم تواجد كبير و تمركز ميداني.

و بالتالي سيكون القرن الإفريقي مجالا لبسط نفوذ الأحلاف الجديدة بالقرن الإفريقي ضد القوى الاخرى المعادية للولايات المتحدة الأمريكية. ولكن لا يمكن استبعاد دور الطرف الإفريقي في تأجيج النزاعات، و ذلك لأن دول شرق إفريقيا مستفيدة أيضا من الصراعات الحدودية نظرا لأنها تستقطب استثمارات و هبات من الدول المتنافسة التي تسعى لبسط نفوذها، لذلك فإنه يصعب حل النزاعات الحدودية القائمة في المنطقة ويُرجحُ أن تتجه مستقبلا نحو التصعيد بين مختلف الأطراف.

السيناريو الثاني

و قد تمارس الولايات المتحدة الأمريكية ضغطا غير معلنا على دول القرن الإفريقي التي ستقوم بدورها بتحجيم الدور الصيني في المنطقة.

من ناحية اخرى قد يثير النزاع على النفوذ بالمنطقة الاقليمية للشرق الافريقي خلق  صراعات اخرى و هو ما يمكن أن تفرضه التوازنات الإقليمية الجديدة، و نظرا لإمكانية تصاعد نفوذ التنظيمات الإرهابية ضمن النظام العالمي الجديد قد لا تجد القوى الكبرى منفذا لبسط نفوذها العسكري في الشرق الإفريقي لأنها ستكون مستهدفة،  لكن يُستبعد تماما سعي دول القرن الإفريقي للاستقلال بذاتها بعيدا عن هذا التنافس و ذلك لإستفادتها منه  كما أن حكامها و رؤساءها مستعدين للاستعمار و يعملون بالوكالة لدى القوى الدولية المسيطرة و القوية، بالتالي قد لا يُمثل فك الصراعات الحدودية مكسبا كبيرا لدول الشرق الإفريقي ويُرجح سير هذه النزاعات نحو التصعيد على المدى البعيد.

أهم المصطلحات : القرن الافريقي / الصراعات الحدودية/ الهيمنة الدولية/ الهيمنة الاقليمية

By badra