الأربعاء. نوفمبر 25th, 2020

الدكتورة بدرة قعلول : رئيسة المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية الأمنية والعسكرية بتونس

لا تكاد تتوارى قضية الهجوم على القنصلية الأمريكية في بنغازي وإحداثياتها وأسرارها حتى تعود بعض الأطراف إلى طرحها ووضعها على الطاولة ولكن هذه المرة بدأ الملف أكثر جدية وأكثر حدّية.. ففي 12 مايو 2020 عاد الرئيس الأمريكي ترامب ليطرح الموضوع من جديد، وباتهام مباشر لأوباما،ضمن حملته على الحزب الديمقراطي منافسه الشرس في الإنتخابات الرئاسية، فقد قال بصريح العبارة ” إنها أسوأ فضيحة في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية: أوباما غيت” ،كما أشار إلى هيلاري كلينتون متهما إياها بالضلوع في مقتل السفير الأمريكي لدى ليبيا في هجوم على القنصلية الأمريكية في مدينة بنغازي في 11 سبتمبر عام 2012، معتمدا في هجومه على تسجيلات صوتية ورسائل من البريد الإلكتروني لكلينتون.
للتذكير، وقعت هجمات إرهابية استهدفت مقر القنصلية الأمريكية في مدينة بنغازي الليبية سنة 2012، أودت بحياة أربعة دبلوماسيين أمريكيين، بينهم السفير الأمريكي كريستوفر ستيفنز.
وبالرغم من إعلان إدارة أوباما عن إرسالها مُساعدات إلى موقع الحادث الإرهابي في بنغازي، نفت وقتها تقارير أمريكية استخباراتية عدم وقوع ذلك، مشيرة إلى أن الطلبات التي قُدّمت لتأمين وحماية المنشآت الدبلوماسية الأمريكية في ليبيا وبالتحديد في بنغازي قبل الهجوم قوبِلت بالرفض، في الوقت الذي رفضت فيه إدارة أوباما الإفصاح عما كان يفعله الرئيس ليلة الهجوم.وأكّدت كلينتون خلال إدلائها بشهادتها أمام لجنة تحقيق في الكونغرس تحمّلها مسؤولية هجوم بنغازي، مشيرة إلى أنها لم ترفض مطالب الحماية وإجراءات تأمين المقار الدبلوماسية.
لكن شبكة “سي إن إن” الأمريكية رجعت إلى الموضوع بعد عامين من التحقيقات، في 28 يونيو من العام 2016، بعد أن أفرج “الكونغرس” عن تقرير مكوّن من 800 صفحة، ألقى باللوم على إدارة أوباما، متهمًا إياها بالتقاعس الأمني وهو ما تسبب بدوره في وقوع الهجوم، فيما لم يحمل أية إشارات ترجّح تورّط كلينتون في الحادث.
وفي نفس السياق أشار “ماكين” إلى استياء أوباما من تصريحات أعضاء مجلس الشيوخ حول قضية بنغازي، وقال إنه قد يتفهم سبب استياء الرئيس، مضيفا أن من يكون مسؤولا عن الهجوم على بنغازي يجب عليه أن يتحمل المسؤولية، وأوضح أن هذا الرئيس وهذه الإدارة إما أنهما مذنبان ويتصفان بعدم الكفاءة بشكل هائل أو أنهما يشاركان في التستر على المذنبين وهذا يعتبر اتهاما مباشرا كذلك.
من جانبها قالت صحيفة “لوس أنجلوس تايمز” إن الإستماع بشأن الهجوم على القنصلية الأميركية في بنغازي”سيتطرق إلى السؤال بشأن دور وكالة المخابرات المركزية الأميركية في الهجوم”،مشيرة الى أن الفضيحة قد أجبرت مدير المخابرات المركزية الأميركية، ديفد بترايوس، على الإستقالة التي شدت انتباه الناس عن مشكلة هامة أخرى بشأن سبب فشل الوكالة في توقع الهجوم على بنغازي أو التمكن من صده.
إلا أن ما كتبه ” آرون كلين” مثير حقا،حيث أشار إلى أن هذا السفير الامريكي قد انتهت مهامه عند أوباما وخاصة عند هيلاري كلينتون، وتم القرار بقتله وتصفيته حتى ينتهي كشاهد عيان لجرائم أوباما في ليبيا وفي سوريا.. نشر آرون كلين، الصحفي ومراسل راديو “WND” الأمريكي، كتابا حول ليبيا بعنوان “قصة بنغازي الحقيقة: ما لا يريد البيت الأبيض وهيلاري أن تعرفوه” مؤكدا أن السفير كريستوفر ستيفنز قام بدور محوري في عمليات تنسيق إرسال شحنات أسلحة إلى المتمردين “الجهاديين” في سوريا.
وتحدث كلين، عن التنسيق وإرسال الأسلحة إلى سوريا عبر ليبيا وبالتحديد من بنغازي أين كانت تبرم كل الإتفاقيات القذرة ويُخطَّط للتآمر على سوريا، مضيفا “أن قصّة بنغازي قد ترقى في إدارة أوباما إلى فضيحة إيران كونترا”.
طبعا حكومة أوباما نفت وبشدّة ضلوعها في تسليح المتمردين السوريين ولكن بعد أبريل 2013 وصدور كتاب آرون كلين، اختلف الأمر وبدأت أصابع الإتهام تحوم حول هيلاري كلينتون وأوباما.. يؤكد الكاتب أن وتيرة عمليات نقل الأسلحة تسارعت وتيرتها صيف عام 2012 مع وصول شحنة كبيرة من ليبيا إلى تركيا قبل أيام معدودة من الهجوم على القنصلية الأمريكية في مدينة بنغازي والذي أدى إلى مقتل السفير “ستيفنز وأربعة ضباط مخابرات معه.
الفضيحة الكبرى-حسب الكتاب-أن حكومة أوباما قد استخدمت أعضاء من كتيبة 17 فبراير وهي ميليشيا مرتبطة بتنظيم “أنصار الشريعة” للمساعدة في نقل الأسلحة إلى متمردي سوريا، متهما وزارة الخارجية الأمريكية وعلى رأسها هيلاري كلينتون بالتعاقد “بشكل محير” حسب تعبيره مع مسلحين من هذا النوع لحماية البعثة الأمريكية الخاصة في بنغازي، وهنا لمّح إلى ضلوع المخابرات الأمريكية في الهجوم على القنصلية ومقتل السفير.
وحسب ما أفضت إليه التحقيقات والمعطيات فإن السفير الأمريكي هو بالأساس تاجر سلاح ومنسق مع المخابرات العامة الأمريكية من أجل إنجاح مخطط بما يسمى “الربيع العربي” ويتحرك بجلباب دبلوماسي. كما تشير الوقائع إلى أن السفير وصل إلى ليبيا على متن سفينة شحن يونانية حملت معدات ومركبات وأسلحة، وحسب ما أفرزته التسجيلات، جاء إلى ليبيا ليكون حلقة وصل بين إدارة أوباما والمتمردين في بنغازي، وحسب المعطيات التي وردت في كتاب آرون كلين، فإن ستيفنز لم يتخل عن دور تاجر السلاح والعميل بين أمريكا والإرهابيين خاصة مع “أنصار الشريعة”حتى بعد أن أصبح سفيرا..

ويؤكد الكاتب الأمريكي أن السفير هو تاجر سلاح بامتياز، فقد تدخل سنة 2011 في تسهيل طلب قدمه مارك توري وهو تاجر أسلحة، لدى وزارة الخارجية بشأن بيع أسلحة. وقد تمت الموافقة عليه بعد شهرين من رفضه في المرة الأولى،وحسب التسجيلات فإن هيلاري كلينتون هي نفسها متورطة في هذه الصفقة مع السفير.
وأكّد كلين كلامه حول التورط الأمريكي مع كتيبة “17 فبراير” التي تتولى حراسة البعثة الأمريكية الخاصة، بتصريح أدلى به لوكالة رويترز، عبد الباسط هارون، وهو تاجر أسلحة ليبي كان ينتمي في السابق إلى”كتيبة 17 فيبراير” كشف فيه عن أنه ساعد في إرسال شحنات أسلحة من بنغازي إلى المتمردين السوريين عبر تركيا، وقد استخدم ترامب هذه التسجيلات لإدانة الخارجية الأمريكية وعلى راسها هيلاري كلينتون في استعمالها لتجار الأسلحة كسفراء ودبلوماسيين.
ويواصل الكاتب فضح الإدارة السابقة مشيرا إلى أن عملاء أمريكيين هم من قاموا بعمليات تسليح المتمردين السوريين، وقاموا بأدوار خطيرة جدا انطلاقا من البعثة الأمريكية الخاصة في بنغازي واستعملوا مرافق الإستخبارات الأمريكية في المنطقة كما قاموا بعمليات بملايين الدولارات “لتأمين” أسلحة مضادة للطائرات في ليبيا بعد سقوط نظام القذافي.
وفي السياق نفسه، أشار الكاتب إلى أن “المنظمات الجهادية المختلفة التي نهبت مخزونات القذافي من منظومات الدفاع الجوي المحمولة، والجماعات المتمردة التي تلقت أسلحة خلال حملة حلف شمال الأطلسي على ليبيا، كانت تشعر بأنها مهددة من قبل الجهود الأمريكية الخاصة بمحاولة استعادة الأسلحة”.
وفي شهر أكتوبر 2015 كشفت جلسة التحقيق في هجوم بنغازي عن أن كلينتون أبلغت كلا من رئيس الوزراء المصري آنذاك هشام قنديل، وعائلتها بأن الهجوم كان متعمدا، وأنه نُفذ من قبل مجموعة إرهابية تشبه تنظيم “القاعدة” وتقصد”أنصار الشريعة”،وقد اعتُبرهذا اعترافا ضمنيا استغله الجمهوريون لاتهام إدارة أوباما بإخفاء علاقة الهجمات “بالإرهابيين خوفا من تقويض ذلك لأحد ركائز حملة إعادة انتخاب أوباما التي كانت حينها في الأسابيع الأخيرة لها، والتي تمحورت حول فعاليته في مكافحة الإرهاب” إشارة إلى قضائه على زعيم تنظيم القاعدة، أسامة بن لادن.”
حسب الجمهوريين وتحقيقاتهم تمّ تحميل إدارة أوباما المسؤولية كاملة، بما وصفوه بالفشل في مواجهة هجوم بنغازي في 11 سبتمبر 2012، اتهموها بأنها تتستر على حقيقة قنصلية بنغازي، إذ أنها لم تكن قنصلية، بل منشأة تابعة لوكالة الإستخبارات المركزية سي آي أي، وكانت تستخدمها كمقر لعملية جمع الصواريخ المضادة للطائرات والمحمولة على الكتف، والتي انتشرت في ليبيا على شكل واسع بعد انهيار نظام معمر القذافي.

وحسب نفس الجماعة التي اتهمت أوباما صادف وجود السفير كريس ستيفنز، في المبنى المذكور، ووقع تعمد تركه وحيدا من دون حراسة مشددة تفاديا للفت الأنظار إليه، عندما تعرض المبنى لهجوم بقذائف الهاون، تلاه اجتياح للمبنى واحراقه، ممّا ادى الى مقتل ستيفنز وكأن هناك إرادة لقتل السفير.

وحسب التسريبات التي تناولت التحقيق فإن المبنى الذي يسكن فيه السفير لم يكن خاضعا لوزارة الخارجية الأميركية، لهذا لم تشمله الحماية، ولأن المبنى كان تابعا للـ «سي آي اي»، لم تجرؤ الحكومة الأميركية على تحميل نظيرتها الليبية مسؤولية حمايته، ولكن وحسب شهود عيان بعث الأمريكان وقتها بعض القوات الخاصة إلى مقر القنصلية لإخراج وثائق وكمبيوترات تابعة للإستخبارات الأميركية والتي من شأنها كشف هوية بعض العملاء المحليين وتعرض حياتهم للخطر. والمريب في الموضوع أن جماعة”أنصار الشريعة” الموالية لهيلاري كلينتون حاولوا تنفيذ الهجوم على الأقل ثلاث مرات وفي الأخير قاموا هم أنفسهم بتنفيذ الهجوم وتبنيه.

والسؤال المطروح: من كان وراء رجوع زعيم “أنصار الشريعة” أبو عياض وتسليمه إلى السلطات التونسية؟ ومن كان وراء إطلاق سراحه من السجون التونسية وتمتعه بالعفو التشريعي العام؟ ومن كان وراء خروجه إلى ليبيا وقيادته “أنصار الشريعة” في ليبيا؟..
كل المؤشرات والقرائن تدين هيلاري كلينتون بأنها متورطة في الفوضى العربية وفي تكوينها للجماعات الإرهابية.

By admin