الأربعاء. نوفمبر 25th, 2020

دمشق-سوريا-28-8-2020 — بقلم الكاتب السوري سليمان الكفيري

هذا المقال خاص بإستراتيجيا نيوز:

لا أدري تماما ما الذي جعلني أتذكر شخصية المرحوم سلطان الأطرش. قد تكون تلك المفارقة بين ثورة الأمس وثورة اليوم، وقد تكون تلك المفارقة بين ثوار الأمس ومعارضة اليوم.

لكن أقول وبكل ثقة مع إمكانية الإستفادة من تجارب الماضي:ما كان يصح قوله بالأمس قد لا يصح قوله اليوم، والعين التي رأت صور الأمس ليست نفس العين التي ترى صور اليوم، فتنوع الصور واختلاف العيون حقيقة لا يطالها الشك، لذلك لا بد من تطوير أنماط تفكيرنا وأدواتنا ووسائلنا، فاليوم غير الأمس والمستقبل لا يرحمنا. فعيننا تبصر الحاضر حاملة صور الماضي ترقب المستقبل.

أما قائد الثورة السورية الكبرى 1925، المغفور له سلطان الأطرش، فقد اهتم به الباحثون والكتاب ورجال الفكر والسياسة كقائد عسكري، وأغفل الكثير منهم الإضاءة على شخصية سلطان الأطرش الإنسان ولم يتطرقوا إلى الجوانب الأخرى في هذه الشخصية النادر مثيلها في واقعنا السوري بل في العالم العربي والإسلامي.

لقد أغفل الباحثون جوانب مهمة كتفكيره العقلاني ـ وسماته الأخلاقية والإنسانية ـ ومبادئه السياسية وتكامل هذه السمات بشكل ايجابي.

لقد غلّب المنطق والعقل في اتخاذه الكثير من المواقف والآراء وقد غلّبهما على العاطفة الشخصية مبتعداً عن مصلحته الفردية.

لذلك كان منطلقه إلى الوحدة منطلقا إنسانيا رافضاً للظلم والإستبداد بكل أشكالهما السياسي والإقتصادي والإجتماعي،وهو من ترعرع ونشأ في بيئة أسرية .

دفعت ثمن موقفها من ظلم الأتراك العثمانيين. فقد دفع والده حياته ثمناً لمحاربته عدوان الأتراك وتسلطهم، لذلك ليس غريباً أن يرفض سلطان الإستبداد التركي وظلمه وسياسة التتريك والتجهيل والنظرة الدونية للعرب فقاوم وحارب كل ذلك منحازاً للكرامة الإنسانية رافضاً الخضوع للعثمانيين.

مما يؤكد ذلك، وله دلالة عميقة، رفع العلم العربي فوق داره بالقريا وكذلك فوق دار من شاركه النضال أحمد البربور من أم الرمان قبل أكثر من عام من رفعه في دمشق .

لقد أدرك سلطان الأطرش غاية الأتراك بإثارة الفتنة الداخلية وتأجيج نيران الإختلافات بين فئات الشعب والعائلات وغيرها، فدعا الى وحدة الصف ووحدة الهدف.

ولنتذكر جميعاً أن لجوء أحرار بلاد الشام الى الجبل هرباً من الإضطهاد التركي كان لقناعتهم بأن الجبل عرين للمقاومة، والجبل بوعيه الوطني الأخلاقي والإنساني جعله لا يميز بين المناضلين من مسلمين ومسيحين ودروز وغيرهم.. هذا المبدأ يستند في جوهره إلى إعلاء إنسانية الإنسان،كما أدرك الجميع أن الجبل عصيّ على الطغاة الظالمين ويدفع بكل غالِ ورخيص في سيبل إغاثة الملهوف ونجدة المظلوم ونصرة الحق

ومن أهم ميزات سلطان الأطرش الشخصية، أنه لم يُعرف عنه بأن تفاخر بنسبه وهو من عائلة ذات سيادة بالجبل، وهذا النأي بنفسه عن الأنانية والتفاخر متلازماً مع سمة هامة أيضاً ألا وهي زهده في المال والمناصب، وقد عبر عن ذلك بالسلوك بعد استقلال سورية برفضه أي منصب سياسي أو إداري وقناعته بأن يعيش حياته مواطناً ـ فلاحاً ـ إنساناً عادياً..

فطرته الوطنية وتمسكه بالقيم الأخلاقية الإنسانية النبيلة جعل من بيعته كقائد للثورة السورية ضد الفرنسيين بيعة لا لُبس فيها بإجماع كل مجاهدي ومثقفي سورية ومعظمهم متأثراً بثقافة الثورة الفرنسية وهذا له دلالات عميقة تتعلق بشخصية سلطان، القائد الحر.

وفبالمقارنة مع رجال عرفهم التاريخ نجده في المقدمة من حيث سماته الراقية ووطنيته الخالصة وأخلاقه النبيلة مع تواضعه وزهده مما يجعله قائداً تاريخياً بحق.

ولابدَ من التنويه الى أن الثورة السورية الكبرى المنبثقة من الجبل والمتكاملة مع كل الحركات ضد الإستعمار الفرنسي هي الثورة الوحيدة بالمشرق والمغرب التي لم تموّل خارجياً بل اعتمدت على ذاتها بكل الإمكانيات.

والثورة مثلما كانت تهدف إلى طرد المستعمر الأجنبي (الفرنسي) كانت تهدف أيضا إلى بناء دولة مدنية بعيدة عن التعصب ومن مبادئها فصل الدين عن الدولة، وهذا شعار بيانها الأول: الدين لله والوطن للجميع مما جعل من الوعي الجمعي نضج فكرة التلازم بين كرامة الوطن وكرامة المواطن لذلك

ارتفعت أصوات الثوار من جنوب سورية وشمالها ومن ساحلها حتى حدود العراق شرقاً رافضة الدويلات كالدولة الدرزية والدولة العلوية ودولة حلب ودولة دمشق وغيرها.

والأهم أن هذه الثورة بإمكانياتها المتواضعة وبإرادة شعب توّاق للحرية تجاوزت المبدأ الذي يقول عين ما بتقاوم مخرز، فكانت هذه العين المحركة للشعب السوري والمحرك لكل الشعوب الحرة في العالم فهزت عصبة الأمم المتحدة وأصدر أحرار فرنسا بياناً ضد الإحتلال الفرنسي لسورية وداعماً للشعب السوري .

ولا نستغرب القول بأن تاريخ سلطان هو تاريخ فقراء الجبل وفلاحيه (مرقعي العبي ) وهم من حققوا الإنتصارات المتتالية في الجبل وضواحيه وجواره حتى الغوطة والشوف. وتشهد بذلك معارك الكفر والمزرعة والمسيفرة ومعارك الغوطة،وهذا ما ساهم في ازدياد عدد مؤيدي الثورة من الشعب السوري، كما تبرهن على ذلك تصريحات القادة العسكريين من الجيش الفرنسي واعترافاتهم بالهزيمة التي لحقت بحملاتهم وجيوشهم ولم يٌفلح الإعلام الزائف في تغيير الحقيقة الساطعة لكون الثورة السورية الكبرى ثورة وطنية تحررية تهدف لتحرير الشعب السوري بكل فئاته وانتماءاته وطوائفه ودياناته.

أيها الشعب السوري.. ما أحوجنا اليوم لنسترشد بمفاهيم ومبادئ الثورة السورية الكبرى وأخلاقها ونتميز بسمات قائدها الفذ سلطان الأطرش علّنا نتمكن من تجاوز المحنة ورص الصفوف والتماسك الوطني التحرري يداً بيد لبناء دولة المواطنة..

By admin