الأربعاء. نوفمبر 25th, 2020

تونس-تونس-15-2-2020 بلحسن اليحياوي

في شهر نوفمبر الماضي أصدر الصحفي الفرنسي ألكسندر دي فال بالإشتراك مع إيمانويل رضوي كتابا حمل عنوان المشروع :”استراتيجية التمكين والتسلل للإخوان المسلمين في فرنسا وفي العالم” معتمدا على جملة من الوثائق السرية التي تم العثور عليها في أكثر من مناسبة أهمها تلك التي اكتشفت في منزل يوسف ندا عقب أحداث 11 سبتمبر 2001
يشير رضوي بداية، إلى أن القرضاوي يؤيد “في الشكل” الحوار مع غير المسلمين، غير أنّه “في المضمون” يدعو إلى الفصل بين المسلمين الذين يعيشون في أوروبا وبين الحضارة الأوروبية، ويُصرّ على وجوبية “أن يكون للمسلمين مجتمعاتهم الصغيرة ضمن المجتمع الكبير، وإلا ذابوا فيه كالملح في الماء”. ولهذه الغاية يقترح القرضاوي على المسلمين الإستفادة من خبرة اليهود التاريخية، إذ يتساءل: “ما الذي حافظ على الخصوصية اليهودية طيلة القرون الأخيرة في المجتمعات الأوروبية؟ إنّ ما حافظ على الأفكار والعادات هو العصبة الصغيرة التي تسمّى ‘الغيتو اليهودي’. فلتسعوا إذن إلى إقامة ‘الغيتو الإسلامي’ الخاص بكم في أوروبا”. وبحسب القرضاوي فإن الإدارة الداخلية لهذا “الغيتو الإسلامي” يجب أن تقوم على أساس مبادئ الشريعة، لذا يتوجب أن يكون لـ”جُزُر الإسلام” هذه علماء خاصّون بها يتصدون للتحديات التي تطرحها متطلبات حياة المسلمين اليومية داخل هذه الجزر.

ووجدت قيادة تنظيم الإخوان القائمة على تنفيذ هذه الإستراتيجية في المظلومية الإقتصادية – الإجتماعية لمسلمي ضواحي المدن الأوروبية الكبرى، وتحديداً أبناء المهاجرين من الجيلين الثاني والثالث، الأرضية المناسبة للبدء في تنفيذ مخططها.

واستندت استراتيجية هذه القيادة على الفكرة القائلة إن “رَحِمَ الأم المسلمة هو أكثر الوسائل فاعلية في أسلمة أوروبا والعالم كلِّه”. لا بل ذهب القرضاوي بعيداً في حماسه حين تنبّأ بأنّ تزايد أعداد المسلمين في أوروبا سيجعل “جزر الإسلام” تطوِّق سكان “المحيط من غير المسلمين” تدريجياً. وساد الإعتقاد لدى كثير من الإخوان وأنصارهم باقتراب زمن “ثأرهم التاريخي” من فرنسا وبأنها ستكون أول دولة أوروبية غربية تسقط في أيديهم، ومنها سيبدأ الإسلام مسيرته الظافرة نحو بقية بلدان القارة والعالم بأسره.

تكثير السواد

وينتقد مؤلفا الكتاب مواصلة الساسة الأوروبيين التظاهر بأنهم لا يرون المسلمين يختلفون بشيء عن الأقليات الأخرى في بلادهم. ويعتبران أنّ مواصلة ذلك لن يقود إلا إلى مزيد من عزلة المسلمين في أوروبا، وزيادة نفوذ الإسلام المتطرف في أوساطهم، الأمر الذي قد ينقلب في وقت قريب إلى خطر حقيقيّ يهدّد الإستقرار الداخليّ للدول الأوروبية. على أنَّ تمادي السلطات والمجتمع في غضّ الطرف عن مشكلة تنامي نفوذ الإسلام المتطرف في أوروبا سيزيد من صعوبة إيجاد الطرائق المناسبة والفعالة لحلِّ هذه المشكلة.

لا للإندماج

وحسب الكتاب، فإن جماعة الإخوان تدرك جيدا أن المسلمين لا يتعرضون إلى الاضطهاد في الديمقراطيات الغربية. إلا أن استراتيجية الجماعة تتمثل في “زرع التشتت داخل المجتمعات الإسلامية في الغرب، عن طريق تأكيد شعور الاضطهاد ما يؤدي بهذه الأقلية إلى التقوقع أو الإنفصال عن المجتمع”، ما يدفعها إلى التعصُّب والعمل تدريجيا نحو محاولة أسلمة المجتمع من خلال التبشير بقيم متشددة، على حساب قيم التسامح والإانفتاح. وكمثال على استراتيجية “التفكيك” هذه، يشير الكتاب إلى الخطاب الذي ألقاه الرئيس التركي (أو”السلطان الجديد” كما يصفه الكاتبان) رجب طيب أردوغان، في كولونيا الألمانية في فبراير 2018 أمام مئات المسلمين ذوي الأصول التركية-الألمانية رداً على دعوة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إلى دمج الأتراك بشكل أكبر في الثقافة الألمانية،إذ قال بالحرف الواحد: “الإندماج أو الإستيعاب جريمة ضد الإنسانية”.
إن الإستراتيجية التي يغزو بها تنظيم”الإخوان” تلك المجتمعات تستند إلى تغذية الفكر المتطرف داخل عقول المسلمين وخلق مظهر خارجي يميزهم عن غيرهم، ثم دفعهم إلى العيش بمعزل عمن يصفونهم بـ”الكافرين”.

وحسب الكتاب، فإن الفكر الإنفصالي الذي تدعمه أقطاب في العالم الإسلامي، على رأسها تركيا وقطر والتنظيم الدولي لجماعة”الإخوان المسلمين” تتصدى له دول إسلامية أخرى، مثل الإمارات ومصر والأردن والجزائر وسوريا، وهي دول تخشى الإمبريالية الإسلامية الجديدة لأنها ببساطة تهدد السيادة الوطنية.

لكن برغم ذلك، نجحت الأقطاب الداعمة للفكر المتطرف، إلى حد كبير، في جعل بعض المجتمعات المسلمة في الغرب معاديةً لدول الولادة أو الهجرة الأصلية، إذ تنظر الأجيال الجديدة من المهاجرين إلى تلك الدول نظرة العدو للإسلام والمسلمين.
خلال عمله على الكتاب الإستقصائي المكون من 560 صفحة، التقى رضوي العديد من القيادات والكوادر الإخوانية، وبذلك استطاع تكوين صورة شاملة حول الإستراتيجية المحددة للتعامل مع الغرب وهي: “التظاهر بأن جماعة الإخوان ضحية، لفرض قيمها بشكل أفضل”. وهنا، يقول رضوي، “يمارس أعضاء الجماعة ألاعيبهم عبر منصات الإعلام والتواصل الإجتماعي، معتمدين على سلاح “الإسلاموفوبيا” (رهاب الإسلام) لاكتساب تعاطف الأوروبيين العاديين.

ووفقاً لتقرير حديث صدر عام 2018 حمل عنوان “حالة تغلغل الإسلام الأصولي في فرنسا”، تبدأ استراتيجية عمل الجماعة ضد مفهوم “الإسلاموفوبيا” في فرنسا، من خلال تشكيل حالة ضغط لإسكات أي نقد للديانة الإسلامية، وتكريس الإعتقاد بأن أي انتقاد للتطرف الإسلامي أو الإرهاب يُشَكِّل بحد ذاته “علامة من علامات الكراهية تجاه المسلمين”، وبالتالي يتطلب الأمر نبذه واعتباره أمراً منافياً للقانون.

ويعتقد ديل فال أن فكر تنظيم الإخوان أخطر من نظيره لدى السلفيين، ذلك أنهم اختلقوا “الإسلاموفوبيا” للإستفادة من التناقضات الفكرية الغربية والمضي في حلم الهيمنة والإنتشار.
يؤكد الكاتب أنه منذ ظهور الإخوان وهم يصورون للمسلمين أن المسلم الحقيقي هو فقط ذلك الذي ينتمي إلى جماعتهم. وأما الباقون، أي أغلبية المسلمين، فمشكوك بإسلامهم، أو أن إسلامهم خفيف أو ضعيف لا يعتد به.

ويشير في كتابه إلى أن فرنسا أصبحت معقلاً للإخوان إذ تنتشر فيها عشرات المنظمات الدعوية الدينية التابعة للتنظيم، موضحاً أنه من خلال دراسته لجماعة الإخوان المسلمين طيلة 15 عاماً، استنتج أن طريقة عملهم تعتمد على “الشمولية اللينينية والستالينية والنازية، وتستند بشكل أساسي على خلق الأكاذيب والتشهير”.

ويقول ديل فال إنه “تحت ستار مناهضة العنصرية والحق في الإختلاف، تخترق جماعة الإخوان المجتمع العلماني الأوروبي بصبر. فهي تعرف جيدا كيف تجعل الغربيين يشعرون بالذنب، تماماً كما حدث مع اليهود”.

ينظر الكاتبان الفرنسيان إلى تنامي وجود الإخوان في أوروبا وسهولة ممارسة نشاطاتهم الدعوية، باعتباره خطراً داهماً على الديمقراطية والعلمانية الأوروبية؛ لأن هذا التنظيم الشمولي لا ولن يعترف بالعملية السياسية وقوانين الحكم الديمقراطية، مثل تداول السلطة وحرية العمل السياسي للأحزاب.

ومما جاء في هذا الكتاب :
بعيدا غن أن تكون مجرد منظمة هرمية بسيطة أصبحت جماعة الإخوان المسلمين حركة غير متجانسة يضمن تماسك أعضائها العلاقات الإجتماعية التي تربطهم ببعضهم البعض أكثر من الإنتماء التنظيمي .على المستوى العالمي لم يعد هناك هيكل هرمي مركزي له قمة وقاعدة مطيعة، بدلا من ذلك نحن نتعامل مع منظمة أفقية لا مركزية وبالتالي تتمتع المنظمات التي ترتبط بالإخوان باستقلالية كبرى ويبلغ تعدادها في أوروبا ما بين 300 إلى 350 مركزا إسلاميا، وبذلك كان من الممكن للعديد من القادة البارزين التنصل وبسهولة من عضويتهم في جماعة”الإخوان”.
ولتحقيق أهدافهم،ابتكر”الإخوان المسلمون”استراتيجية توسع حقيقية “على مراحل” تم الكشف عنها في عام 1992 عندما عثرت الشرطة المصرية في أثناء تفتيش منزل عضو على مخطط سري للحركة مسمى “تمكين” يشرح المراحل الأساسية لمشروع “الإخوان المسلمين”، هذا المخطط الذي تم تأكيده لاحقًا من خلال مخطوط “المشروع” الشهير الذي تم الإستيلاء عليه من يوسف ندا في سويسرا، هدفه النهائي هو تولي السلطة وتحقيق الحاكمية في كل مكان اعتمادا على تمشي استراتيجي من ثلاث خطوات هي:
1- نشر رؤيتهم الإستبدادية للإسلام تحت ستار الإسلام الرسمي واحترام الدين
2- اختيار الأفراد المناسبين والمفاتيح لنشر الفكر الإخواني أينما كانوا والتسلل الى كل التنظيمات والهياكل والمؤسسات
3- اتقان المرحلة الأخيرة من تولي السلطة السياسية بمجرد اكتساب المجتمع وإعداد النخب.
وتتمثل طريقة العمل في السيطرة على السلطة العليا عن طريق تكوين شبكة لا مركزية واسعة ، ثم إنشاء أقسام متعددة مقسمة تربط المجتمع بأسره ، ثم بالتسلل والدخول في كل القطاعات كالتعليم، والأطباء والمحامين والمصارف والمؤسسات المالية والنقابات والمستشفيات والمحاكم والأحزاب السياسية والإعلامية (مثل الجزيرة).
إن الأولوية التي لم ينكرها المفكر الشيوعي الإيطالي أنطونيو غرامشي (المعروف بالأولوية الممنوحة للتسلل والقتال الثقافي) هي تدريب الشباب ونخب المستقبل. وقوة الإخوان هي بالفعل العمل في أي مكان وعلى جميع مستويات المجتمع ، في مجالات العمل الخيري أو الرياضة أو وسائل الإعلام أو السياسة أو التعليم أينما استقروا ، وشاغلهم الأول هو إنشاء المدارس والعيادات والأندية الرياضية وتقديم قروض صغيرة دون ربا للمسلمين الذين يلتزمون بمبادئهم الأيديولوجية التي حددها حسن البنا ومن بعده صهره سعيد رمضان … متخذين من شعار “المعرفة قوة” حافزا أساسيا . والمعرفة تأتي من خلال التحسس في المدارس الصغيرة والمدارس الثانوية والجامعات ووسائل الإعلام. وللسيطرة على السلطة بشكل نهائي كان لا بد للطريق أن يمر عبر تحالفات براغماتية مع المزيد من الأحزاب السياسية التقليدية وتخريب القيم الديمقراطية في البلدان المحلية والبلدية والإقليمية والوطنية وحتى خارجها.
في هذا التكوين الإستراتيجي “المتطور” الجديد للإخوان ، لعب ثلاثة رجال دورًا أساسيًا في السنوات الأخيرة في تعديل النمط التشغيلي والتنظيمي لجماعة”الإخوان المسلمين” وربطها أكثر بالواقع الإسلامي في القرن الحادي والعشرين. والتنظير للإستراتيجية العالمية الجديدة لغزو العالم العربي الإسلامي وأوروبا من قبل”الإخوان”وكذلك رسم الخرائط للمنظمة، وهم مجموعة من المثقفين الميكيافيلين المهرة في استخدام وسائل التواصل الإجتماعي ووسائل الإعلام ، الجهاد الإلكتروني وحرب العصابات الإقتصادية على الإنترنت بدعم لا محدود من تركيا وقطر :
جاسم سلطان القطري
والسعودي الراحل جمال خاشقجي
والفلسطيني البريطاني عزام التميمي
وهم ثلاثة شخصيات مركزية في التكوين الإستراتيجي الجديد للإخوان على المستويين الإقليمي والعالمي. ينتمي خاشقجي وجاسم سلطان وعزام التميمي، إلى هذا الجيل الجديد من “الإسلاميين التقدميين القادمين من مدرسة الإسلام السني والحاملين للواء الوطنية والديمقراطية والثورة ،برعاية قطر أردوغان، ويقدمون رؤية للإسلام السياسي تعارض بحزم رؤية تلك الممالك الخليجية الوراثية المؤيدة للغرب والتي لم تعد تفضل المسار الجهادي الحربي الذي افتتحه سيد قطب.
وضمن مسار ديمقراطي ورياضي ورقمي وسياسي واقتصادي تم إطلاقه على نطاق واسع لأول مرة خلال”الربيع العربي”الذي هو ليس أكثر من نسخة محلية من ” الثورات الملونة “الشهيرة التي تم تمويلها في سنوات ال2000 من قبل الولايات المتحدة ومنظمات جورج سوروس غير الحكومية في جورجيا وأوكرانيا وأماكن أخرى لإضعاف المصالح الروسية في أوراسيا. …بالنسبة لهؤلاء المفكرين الثلاثة ، الذين يدعمون الجهاد الحربي أو يختبرونه من كثب ، فإن الهدف النهائي لـ”الإخوان” (الخلافة العالمية) يظل هو نفسه هدف الآباء المؤسسين: البنّا أو قطب ، لكنه لا يمكن تحقيقه إلا بشرط الإطاحة بكافة الأنظمة العربية الديكتاتورية أو الملكية أو العلمانية ، سواء أكانت إسلامية أوملكية أو علمانية وخاصة المملكة العربية السعودية المنافسة (في سباق القيادة الإسلامية) ، ومصر وسوريا.
منذ بداية”الربيع العربي” تحورت منظمة”الإخوان” بطرق عديدة تحت تأثير ونشاط هؤلاء المنظرين الجدد فأصبحت أقل ارتباطًا بالهيكل المصري الأصلي ونظام الهرم الخاص به مع الحفاظ على علاقات قوية معه في الواقع ، لم تعد ترغب منظمة”الإاخوان” في الظهور كهيكل موحد ، هرمي للغاية ، مرهق للغاية ، مفضلين التركيز على عناصر لغوية وتواصلية تتكيف مع البلدان التي يوجد بها شركاؤهم.. إنهم مقتنعون بأن نجاحهم يعتمد على مشاركتهم في عالم الأعمال والإعلام والسياسة والمنظمات غير الحكومية والجمعيات ويتصرفون بطريقة أكثر عالمية ، ويدرجون نضالهم في خطاب ضحية ، ويضعون أنفسهم “ضحايا كره الإسلام”، ويضعونه نفاقًا على نفس مستوى معاداة السامية عن طريق إخفاء إعجاب آبائهم المؤسسين بالنازية.. وحقيقة جماعة”الإخوان المسلمين” كانت دائما تعيش حالة خوف وشك دائم. والآن أصبح أعضاؤها الشباب أكثر انسجامًا مع التقدم التقني والتكنولوجيات الجديدة والشبكات الإجتماعية وعالم الإعلام.. الوجه واللحية المشذبة بشكل جيد ، والجينز والأحذية الرياضية ذات العلامات التجارية الأمريكية. وتأويلهم القرآن بما يتماشى مع جملة القيم السائدة في المجتمعات الغربية التي يعيشون بها، وهم مهووسون بشكل كبير جدا بالشبكات الإجتماعية،وبذلك يحاولون إظهار أنهم يتكيفون مع المجتمع بينما تظل أهدافهم في الواقع كما هي.

By admin