الأربعاء. نوفمبر 25th, 2020

بدرة قعلول : مركز الدراسات الاستراتيجية الامنية والعسكرية بتونس

تعيش ليبيا اليوم حالة من الفوضى والتعقيد الذي لم تشهده في تاريخها حتى خلال حقبة الإستعمار أو في أثناء الإحتلال العثماني.. فمنذ تسعة سنوات من سقوط النظام الليبي والأوضاع تنزلق نحو التدهور والإنهيار خاصة مع بروز الميليشيات المسلحة التي تقودها الجماعات الإسلامية المتشددة، وعودة النزاعات القبلية بصورة مقيتة إلى جانب بروز النزعات الإنفصالية.
مثل هذه الظواهر الرجعية تشكل رِدّة حقيقية حيث ما كان يأمله الشعب الليبي هو ترسيخ أسس الدولة الوطنية الحديثة بدون هدم،لا دولة “المحاصصة” القبلية كما يجري حاليا من نهب للثروة والسطو على الوظائف والخدمات الحكومية، حيث تفرض قوى الإسلام السياسي والعصابات المسلحة منطقها الخاص.
وبالرغم من نجاح الإنتخابات في عام 2014 التي فاز فيها الليبراليون وألحقت هزيمة بـ”الإخوانجية” إلا أن الدعوة إلى تشكيل حكومة وطنية في ليبيا لإدارة البلاد تكون مهمتها الأساسية العودة إلى الحياة الدستورية والمؤسسات،باءت كلها بالفشل،وظلت ليبيا تعيش في حالة اللادولة والفوضى، إلى جانب التدخل الأجنبي لإذكاء الفتن في انتهاك صارخ لاستقلال ليبيا وسيادتها، في ظل انتشار فوضى السلاح الذي تمتلكه الجماعات المرتبطة بتنظيم القاعدة.
والواقع أن الحكومة الحالية بطرابلس بقيادة فايز السراج المعترف بها، وكذلك البرلمان المنتخب والحكومة المؤقتة في الشرق الليبي تنتابها حالة من التخبط الكبير. ثم إن الوضع الأمني يشوبه الكثير من الشوائب والغموض،فالحضور الأمني في كل المناطق الليبية ضعيف جدا حيث تسيطر جماعات قبلية ومليشيات مسلحة على أنحاء واسعة من المدن وأهمها طرابلس وهي التي تفرض قوانينها.
كما أن انتشار “القاعدة”والمنظمات المتفرعة عنها الموجودة بالصحراء الليبية،لا تخضع لأي حكومة وهو ما يشكل خطرا كبيرا يلقي عبئا على الجيش العربي الليبي مما يهدد بظهور جيوب من الإرهاب قد تتحرك نحو الهلال النفطي وهو الأمر الذي قد يدفع قوات أجنبية إلى التدخل خاصة الولايات المتحدة الأمريكية التي تريد أن تضع يدها على البترول الليبي خاصة إذا انزلقت الأوضاع إلى حرب ضد إيران.
ما حصل وما يحصل الان وما سيحصل في المستقبل في ليبيا له تداعيات إقليمية كبيرة وخطيرة،وقد نبه العديد من المراكز البحثية ومن بينها المركز الدولي للدراسات الإستراتجية الأمنية العسكرية بتونس إلى خطورة الوضع الحالي، إذ هناك إجماع داخل الدول الغربية ودول شمال إفريقيا والساحل الإفريقي على مخاطر انتشار الأسلحة بصورة كبيرة في ليبيا وانتقالها عبر الحدود إلى الدول المجاورة (تونس،الجزائر،مالي، تشاد،النيجر، موريتانيا، مصر، السودان…) وهي مناطق شاسعة تصعب مراقبتها، حيث ينشط فيها تنظيم “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” إضافة إلى المتمردين الطوارق وجماعة بوكو حرام. ليبيا حاضنة لتفريخ الإرهاب منذ إسقاط الدولة الليبية أخذت بعض الدول تعمل على تأمين حدودها مع ليبيا مثل تونس ومصر حيث بدأتا منذ 2012 تكافحان لضبط حدودهما من أجل وقف تدفق الأسلحة، وكانت تونس قد أعلنت في 2012 تفكيك تنظيم إرهابي تدرب في ليبيا وسعى إلى إقامة إمارة إسلامية في تونس.
ولا ننسى حادثة هزت الرأي العام العالمي وزادت من مخاوف الدول الغربية إزاء استفادة تنظيم القاعدة من وفرة السلاح المسروق من المخازن الليبية وهي حادثة مقتل السفير الأمريكي في بنغازي في 11 سبتمبر 2012.
كما زادت المخاوف عندما حقق الطوارق نجاحا عسكريا لافتا من خلال سيطرتهم على شمال مالي في الهجوم الذي شنه المتمردون الطوارق “الحركة الوطنية لتحرير أزواد “و”حركة أنصار الدين الإسلامية” المسلحة التي أسسها إياد طاغ غالي أحد القادة السابقين لحركة التمرد الطوارق في التسعينات في منطقة كيدال وميناكا، للمطالبة بحق تقرير مصير المنطقة الشمالية من مالي، المتاخمة لموريتانيا والجزائر والنيجر وبوركينا فاسو.
وسعت “حركة أنصار الدين”إلى فرض الشريعة في مالي، بعد أن سيطرت على ثلثي التراب المالي، ولولا التدخل العسكري الفرنسي في بداية سنة 2013 لسقطت مالي لقمة سائغة في أيدي تنظيم “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”.
وكان تنظيم القاعدة قد صعد من وتيرة تحركاته مستفيدا من مساحة التسيب المستجدة في تونس وليبيا حتى يرفع من درجة الضغط على جبهة الجزائر، وقد استفاد التنظيم من عوامل عديدة حصلت في مرحلة انطلاقة ما سمي”الربيع العربي”.
وتمثل هجمات الإسلاميين المتشددين في تونس على رموز المعارضة اليسارية والليبرالية انطلاقا من القاعدة التي أسسها تنظيم “أنصار الشريعة” في مناطق عديدة على غرار جبل الشعانبي وسلسلة المرتفعات الغربية من البلاد.
وشكلت المواجهات المسلحة بين قوات الأمن والجيش التونسي وبين المجموعات الإرهابية التكفيرية المرتبطة بتنظيم القاعدة، نقطة تحوّل في رؤية الدول الغربية لاسيما الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وإدراك هذه الدول الخطر الذي باتت تمثله ليبيا في ظل سيطرة المجموعات الإسلامية المقاتلة على مناطق شاسعة من البلاد وامتلاكها ترسانة كبيرة من الأسلحة وإقامتها معسكرات تدريب للإسلاميين الجاهدين القادمين من تونس.
كما أظهرت التقارير الإستخبارات الأمريكية والفرنسية إن المقاتلين من تنظيم “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” تمكنوا من اجتياز الحدود من مالي وإنشاء قاعدة جديدة لهم في جنوب غربي ليبيا حيث لاتزال جيوبهم تتدعم إلى غاية الوقت الحالي، خاصة من خلال عملية التطعيم التي تحدث ما بين أجنحة القاعدة المتمركزة على الميدان الليبي وبين عناصر داعش الإرهابية المحترفة في حرب الشوارع والمدن والتسللات الخطيرة والعماليات الانغماسية.
كما تجذب الزاوية الجنوبية الغربية من ليبيا المقاتلين الإسلاميين من جماعة “أنصار الدين”وتنظيم “القاعدة في بلدان المغرب الإسلامي”الذين فروا من مالي. وتختلط هاتان المجموعتان مع المجموعات المسلحة المحلية ومن بينها “أنصار الشريعة” التي تؤكد واشنطن أنها متورطة في الهجوم على القنصلية الأمريكية في بنغازي.
ومنذ مقتل أسامة بن لادن اتخذ تنظيم القاعدة قرارا بتغيير مركزيته من أفغانستان إلى ليبيا، وتعد تونس همزة الوصل بين ليبيا والجزائر ثم الصحراء في علاقة بالغاز والمصالح التجارية لتهريب المخدرات والأسلحة والوقود والغذاء، ومنذ التدخل الأمريكي في أفغانستان تحول تنظيم “القاعدة” إلى منظمة هيكلية عموديا وأصبح لكل مجموعة هيكلتها الخاصة، وما يجمعها هو الإيدولوجيا التكفيرية والعمل عبر عدة جمعيات خيرية ودعوية وضخ الأموال الكبيرة لأنصارالتنظيم.
أما تنظيم “أنصار الشريعة” وهو إحدى التسميات الجديدة لتنظيم “القاعدة” فقد نشط بشكل كبير في بنغازي بقيادة محمد الزاوي، وفي درنة بقيادة أبو سفيان بن قمو وهو من سجناء غونتنامو،كذلك فإن” أنصار الشريعة” باليمن هي التسمية الجديدة للقاعدة في الجزيرة العربية تحت قيادة الشيخ أبو زهير عادل بن عبد الله، و”أنصار الشريعة بتونس تحت قيادة أبو عياض سيف الله بن حسين، وفي مصر تحت قيادة أحمد اشوش.
واتخذ تنظيم “القاعدة” جغرافيا تمركز جديد بعد ما يسمى بالثورات العربية تحولت وجهته من أفغانستان إلى ليبيا والصحراء المتاخمة لها وتم إنهاء مرحلة الجهاد الموحد الهرمي تحت قيادة بن لادن والعودة إلى تنظيمات 1990 المستقلة تنظيميا ويجمعها المنحى التكفيري والعمل ألجمعياتي وإطلاق المبادرة الفردية أو ما يسمى الذئاب المنفردة.
و كشفت التقارير الأمنية إعن أن هناك مخططا كبيرا وخطيرا كان يعد لتونس من منطقة الزنتان الليبية منذ 2013 والتي تحولت إلى معسكر تدريب للعديد من التونسيين حيث يتراوح العدد الإجمالي بين 4 أو 5 ألاف وكان زعيم تنظيم “أنصار الشريعة” أبو عياض يُعد هؤلاء الإرهابيين للقيام بهجوم كبير على جنوب تونس واحتلاله والقيام بعدة تفجيرات في العديد من المدن التونسية واغتيال عدد كبير من السياسيين ومهاجمة المؤسسات العامة . تونس كانت على حافة مخطط إرهابي خطير يعتزم تقسيم البلاد إلى ثلاث إمارات في الوسط والجنوب والشمال لكن تم إفشال هذا المخطط إلا أن المخاطر لاتزال قائمة سواء على الجزائر أو تونس، في ظل الخشية الكبيرة من تهريب اللسلاح انطلاقا من الأراضي الليبية كما حصل في السابق، الأمر الذي جعل الجيش الجزائري يستنفر قواته على الحدود مع ليبيا وتونس ، مستخدما الطائرات العسكريَة لتوسيع مجال المراقبة ولمنع أي محاولة اختراق لجماعات إرهابيَة قد تستغل الأوضاع الهشة بالجزائر والأزمات السياسية بتونس لتنفيذ مخططها، لاسيما أن محققين من تونس والجزائر تمكنوا من جمع أدلة كثيرة تدين “كتيبة الملثَمين والموقعين بالدم ” التي يقودها مختار بالمختار القيادي السابق في تنظيم القاعدة الذي أشرف على تدريب مقاتلين سلفيين جهاديين من تونس وإرسالهم إلى الأراضي التونسيَة. نرجع إلى سؤالنا منذ البداية “ليبيا إلى أين؟ “..
كل السيناريوهات في ليبيا اليوم مفتوحة وواردة ومخيفة في نفس الوقت، إذ لا توجد مؤشرات للإنفراج بل تدل كل المؤشرات على تمدد الأزمة الليبية إلى دول الجوار والمنطقة العربية ككل إذ هناك التلويح باستخدام القوَة والإغتيال وهناك أيضا إثارة التمرَد الداخلي إلى جانب تحريك الأساطيل.
أما عن الولايات المتحدة الأمريكيَة فإن قوتها تَبقَى جاهزة للتدخل وتُبقي خططها مواكبةً لآخر التطورات حسب المسيطر على الميدان.. فهي تزرع العقدة وعندما يحين الوقت تأتي بالحل، و تضع السم في الأكل وتأتي بالدواء المضاد.

By admin