اعداد قيم تحليل الأخبار الدولية 28-09-2026
لم يعد التوتر بين السودان وإثيوبيا محصوراً في ملفات الحدود والمياه والخلافات السياسية التقليدية. خلال الأيام الأخيرة، انتقل الخطاب بين البلدين إلى مستوى أكثر حساسية، بعدما اتهمت القيادة العسكرية الإثيوبية السودان ومصر بالوقوف وراء تحالف جديد يضم قوى مسلحة وسياسية تسعى إلى إسقاط حكومة رئيس الوزراء أبي أحمد، فيما رد الجيش السوداني باتهام إثيوبيا بالسماح باستخدام أراضيها لتدريب وتسليح قوات مرتبطة بقوات الدعم السريع.
المشهد، بهذه الصورة، يتجاوز مجرد تبادل الاتهامات. فكل طرف بات يتحدث عن أراضي الطرف الآخر باعتبارها مساحة محتملة لدعم خصومه، في وقت تشهد فيه إثيوبيا عودة القتال في الشمال، بينما لا تزال الحرب السودانية مفتوحة على أكثر من جبهة.
اتهام إثيوبي مباشر للسودان ومصر
في 27 سبتمبر، اتهم رئيس أركان الجيش الإثيوبي، المشير برهانو جولا، السودان ومصر بدعم تحالف جديد من القوى المسلحة والسياسية المناهضة لحكومة أبي أحمد. وقال إن هذه المجموعات لا تستطيع التحرك بفاعلية من دون دعم خارجي، متهماً إريتريا أيضاً بالقيام بدور حلقة وصل بين أطراف خارجية وهذه القوى داخل إثيوبيا.
المهم هنا أن الاتهام صدر عن أعلى مستوى في المؤسسة العسكرية الإثيوبية، لكنه لم يترافق، في المعلومات المنشورة علناً، مع أدلة تفصيلية تثبت تورط الخرطوم أو القاهرة في عمليات تمويل أو تسليح التحالف الجديد. ولذلك يبقى هذا الجزء من الرواية الإثيوبية في نطاق الاتهام السياسي والأمني إلى حين ظهور أدلة مستقلة.
ويأتي ذلك في توقيت شديد الحساسية بالنسبة إلى إثيوبيا، إذ عادت الاشتباكات في الشمال، مع امتداد التوتر من تيغراي إلى مناطق أفار وأمهرا، بالتزامن مع تحركات عسكرية لقوى مرتبطة بجبهة تحرير شعب تيغراي.
تحالف من سبع قوى… لكن وحدة المصالح لا تعني بالضرورة وحدة القيادة
في 21 سبتمبر، أعلنت سبع جماعات إثيوبية مسلحة وسياسية تشكيل “تحالف قوى الشعب الإثيوبي من أجل البقاء، بهدف إزالة حكومة أبي أحمد وفتح الطريق أمام إدارة انتقالية.
ويضم التحالف، وفق ما أعلنته الأطراف المشاركة، جبهة تحرير شعب تيغراي، وجيش تحرير أورومو، وحركة أمهرة فانو الوطنية، إلى جانب أربع قوى أخرى مرتبطة بمناطق عفار وبني شنقول-قمز وأوغادين.
وتكمن حساسية هذا التطور في أن بعض مكونات التحالف كانت، حتى وقت قريب، على طرفي مواجهات مسلحة داخلية مختلفة، بما في ذلك قوى تيغرية وقوى أمهرا كانت في مواقع متعارضة خلال حرب تيغراي. لذلك فإن الإعلان عن التحالف يمثل تطوراً سياسياً وعسكرياً مهماً، لكنه لا يعني تلقائياً أن هذه القوى أصبحت قوة عسكرية موحدة أو أن لديها قيادة عمليات مشتركة قادرة على العمل كجيش واحد.
هذه نقطة أساسية في قراءة المشهد، لأن قوة التحالف ستتوقف عملياً على قدرته على تجاوز الخلافات القديمة بين مكوناته، وتحويل التنسيق السياسي إلى قدرة ميدانية مستمرة.
الخرطوم ترفض الاتهام… وتفتح ملف الدعم الإثيوبي لقوات الدعم السريع
الرد السوداني جاء سريعاً. فقد رفضت القوات المسلحة السودانية اتهامات برهانو جولا، ووصفتها بأنها “باطلة”، مؤكدة أنها لا تتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى وتحترم القانون الدولي ومبادئ حسن الجوار.
لكن الخرطوم لم تكتفِ بالنفي. فقد وجهت بدورها اتهاماً مباشراً إلى إثيوبيا، قائلة إن الأراضي الإثيوبية تستخدم في دعم قوات الدعم السريع، بما في ذلك التدريب والإمداد، إضافة إلى نشاط مرتبط بالطائرات المسيّرة بعيدة المدى والطائرات الانتحارية. ودعت في الوقت نفسه إلى استخدام الحوار والقنوات الرسمية لمعالجة الخلافات بين البلدين.
وهنا تظهر إحدى أكثر نقاط الأزمة حساسية: الاتهامات المتبادلة لم تعد تتعلق فقط بتصريحات سياسية، بل باستخدام الأراضي الوطنية كعمق لوجستي أو عسكري في حرب دولة مجاورة.
معسكر بني شنقول… المعطى الذي يجعل الاتهام السوداني أكثر تعقيداً
لا يمكن التعامل مع الاتهام السوداني بمعزل عن تحقيق نشرته وكالة رويترز في فبراير 2026، تحدث عن وجود معسكر عسكري سري في إقليم بني شنقول-قمز الإثيوبي، بالقرب من الحدود السودانية، لتدريب آلاف المقاتلين المرتبطين بقوات الدعم السريع.
ووفق التحقيق، استندت رويترز إلى مقابلات مع مصادر أمنية ودبلوماسية، وصور أقمار صناعية ووثائق، وقدرت وجود نحو 4,300 مقاتل في المعسكر في بداية يناير، مع منشآت يمكن أن تستوعب أعداداً أكبر.
كما تحدث التحقيق عن توسعة مطار أسوسا القريب، واحتمال استخدامه في عمليات مرتبطة بالطائرات المسيّرة. ونقلت رويترز عن مصادر أن الإمارات مولت إنشاء المعسكر وقدمت دعماً تدريبياً ولوجستياً، بينما نفت أبوظبي أي دور في الحرب السودانية. ولم تقدم الحكومة الإثيوبية أو قوات الدعم السريع رداً تفصيلياً على النتائج المنشورة في التحقيق.
هذه المعطيات لا تثبت تلقائياً كل الاتهامات التي يوجهها السودان إلى إثيوبيا اليوم، لكنها تجعل الحديث عن الأراضي الإثيوبية باعتبارها جزءاً من البيئة العملياتية للحرب السودانية أمراً لا يمكن تجاهله.
كما أن موقع بني شنقول-قمز يضيف بعداً استراتيجياً آخر، فالمنطقة تقع بالقرب من الحدود السودانية وفي نطاق جغرافي حساس بالنسبة إلى سد النهضة، وهو ما يرفع مستوى المخاطر إذا تحولت الحرب السودانية إلى نشاط عسكري مستقر داخل العمق الإثيوبي.
ملف الطائرات المسيّرة يزيد مستوى التوتر
سبق للخرطوم أن وجهت اتهامات مماثلة إلى إثيوبيا خلال مايو 2026، عندما قالت إن طائرات مسيّرة استخدمت في هجمات داخل السودان انطلقت من مطار بحر دار الإثيوبي.
إثيوبيا نفت الاتهامات، كما نفت الإمارات تورطها في الهجوم، ولم تتمكن الأدلة المنشورة علناً من إثبات جميع تفاصيل الرواية السودانية بصورة مستقلة. ولذلك يجب الفصل بين وجود اتهامات متكررة وبين إثبات المسؤولية عن كل عملية عسكرية على حدة.
لكن تكرار هذا الملف في الخطاب السوداني مهم بحد ذاته، لأنه يعكس انتقال قضية الحدود من مسألة جغرافية إلى مسألة أمنية وعملياتية.
أين تدخل مصر؟
اتهام أديس أبابا لمصر يفتح بدوره ملفاً أكثر تعقيداً. فالعلاقة المصرية-الإثيوبية تعيش أصلاً مرحلة توتر بسبب سد النهضة، فيما ترتبط القاهرة والخرطوم بعلاقات سياسية وأمنية وثيقة، خصوصاً في ظل الحرب السودانية. لكن لا توجد، في المعلومات العلنية المتاحة حالياً، أدلة مستقلة تثبت أن مصر قدمت دعماً عسكرياً للتحالف الإثيوبي الجديد كما اتهم رئيس الأركان الإثيوبي.
ومن المهم عدم الخلط بين التقارب المصري السوداني وبين إثبات مشاركة مصر في دعم جماعات مسلحة إثيوبية. الملفان مرتبطان سياسياً في نظر أديس أبابا، لكنهما ليسا شيئاً واحداً من الناحية الإثباتية.
الحدود السودانية-الإثيوبية تدخل مرحلة أكثر حساسية
المشكلة الأعمق ليست في التصريحات المتبادلة وحدها، وإنما في تزامن ثلاثة مسارات في وقت واحد:
- الأول هو عودة التوتر العسكري في شمال إثيوبيا،
- والثاني استمرار الحرب السودانية واتساع استخدام الطائرات المسيّرة،
- والثالث وجود سوابق وتقارير عن نشاط عسكري مرتبط بالحرب السودانية داخل الأراضي الإثيوبية.
عندما تجتمع هذه العوامل، تصبح الحدود بين البلدين أكثر من مجرد خط فاصل بين دولتين. ويمكن أن تتحول تدريجياً إلى منطقة تماس بين أزمتين داخليتين متداخلتين.
وفي هذه الحالة، فإن أي دعم خارجي لطرف داخل إحدى الدولتين قد يُقرأ في الدولة الأخرى باعتباره عملاً عدائياً مباشراً، وهو ما قد يدفع إلى مزيد من الإجراءات المضادة.
هل نحن أمام حرب سودانية-إثيوبية؟
المعطيات المتاحة حتى 28 سبتمبر لا تسمح بالقول إن البلدين يتجهان إلى حرب مباشرة. فلا توجد، حتى الآن، مؤشرات علنية كافية على قرار إثيوبي أو سوداني بخوض مواجهة عسكرية مفتوحة بين الدولتين، لكن مستوى الاتهامات ارتفع بوضوح.
إثيوبيا تتحدث عن دعم خارجي لقوى تريد تغيير النظام في أديس أبابا، والسودان يتحدث عن استخدام الأراضي الإثيوبية في دعم خصمه العسكري. وبين الروايتين توجد ملفات أقدم: الحدود، الفشقة، سد النهضة، الحرب في السودان، وعلاقات كل طرف بالقوى المسلحة الموجودة على الجانب الآخر.
لذلك فإن الخطر الأكثر واقعية في المرحلة الحالية قد لا يكون اندلاع حرب مباشرة بين الجيشين، وإنما تحول أراضي كل دولة إلى مجال دعم أو إسناد للقوى التي تقاتل الدولة الأخرى أو خصومها الداخليين.
وهذا النوع من الصراع أكثر صعوبة في الاحتواء، لأنه يبدأ عادة باتهامات ونشاطات غير مباشرة، قبل أن يصبح الفصل بين الحرب الداخلية والصراع الإقليمي أكثر صعوبة.
الخلاصة
ما يحدث بين الخرطوم وأديس أبابا يستحق المتابعة باعتباره تطوراً في طبيعة العلاقة بين البلدين، وليس مجرد سجال إعلامي عابر. فإثيوبيا تواجه عودة التوتر المسلح في الشمال، والسودان لا يزال يعيش حرباً مفتوحة، بينما توجد ملفات حدودية ومائية وسياسية لم تتم تسويتها. وفي الوقت نفسه، ظهرت خلال عام 2026 تقارير وتحقيقات عن نشاط مرتبط بالحرب السودانية داخل الأراضي الإثيوبية.
حتى الآن، لا تكفي المعطيات المتاحة لإثبات جميع الاتهامات التي يوجهها كل طرف إلى الآخر. لكن المؤكد أن منسوب الشك الأمني بين الخرطوم وأديس أبابا ارتفع إلى مستوى جديد.
وإذا استمر الطرفان في النظر إلى تحركات خصومهما الداخليين باعتبارها امتداداً لتدخل الدولة الأخرى، فقد يصبح احتواء الأزمة أصعب من ذي قبل، خصوصاً إذا انتقلت المواجهة من الاتهام السياسي إلى إنشاء شبكات دعم عسكرية مستقرة على جانبي الحدود.
