قسم البحوث و الدراسات 2026/08/20
إدريس حميد
من استهداف الجيش السوري إلى محاولة منع قيام دولة قوية: هل تُدفع سوريا الجديدة إلى حرب إقليمية جديدة؟
ها هي سوريا قد تحررت من حكم بشار الأسد، وسقط النظام الذي وصفه خصومه لعقود بأنه نظام استبدادي، وعانى السوريون في ظله من القمع والحرب والدمار. ولا يمكن الدفاع عن ذلك النظام أو تبرير ما ارتكبه بحق الشعب السوري.
لكن سقوط الأسد لا يعني أن الصراع على سوريا قد انتهى، بل ربما بدأت مرحلة جديدة منه. فالسوريون الذين ثاروا على الاستبداد لم يفعلوا ذلك لكي تتحول بلادهم إلى ساحة نفوذ جديدة، أو لكي تستبدل التبعية لنظام داخلي بتدخلات خارجية. لقد أرادوا دولة حرة، مستقلة، قوية، وقادرة على حماية شعبها وأرضها.
ومن هنا تأتي خطورة الضربة الإسرائيلية الأخيرة على قاعدة أبو الظهور في إدلب، والتي جاءت بعد زيارة وفد عسكري تركي للموقع. إسرائيل أعلنت أن الضربة استهدفت منع ترتيبات عسكرية تركية محتملة في القاعدة، بينما نفت دمشق وجود خطة لإنشاء قاعدة تركية هناك، ورفضت أنقرة المبررات الإسرائيلية.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه أكبر من قاعدة أبو الظهور:
ما الذي تريده إسرائيل من سوريا؟ وما حدود هذا العدوان؟ ومن يستطيع إيقاف إسرائيل؟ وكيف سيكون رد تركيا؟ وأين الولايات المتحدة والدول الغربية التي أعلنت دعمها لسوريا الجديدة؟
هل انتهى الصراع بسقوط الأسد؟
كان سقوط النظام السابق فرصة تاريخية للسوريين للخروج من حقبة الاستبداد والحرب، وبناء دولة جديدة تقوم على المؤسسات والحرية والعدالة.
لكن تغيير السلطة لا يعني تلقائياً امتلاك الدولة لقرارها.
فسوريا الخارجة من الحرب تحتاج إلى إعادة بناء جيشها ومؤسساتها واقتصادها، وإعادة توحيد أراضيها، وترميم علاقاتها الإقليمية والدولية.
وفي الوقت نفسه، هناك قوى إقليمية ودولية ترى في سوريا الجديدة جزءاً من صراعاتها ومصالحها.
وهنا ينبغي أن نتذكر ما جرى في المنطقة خلال السنوات الماضية. لقد خرجت شعوب عربية تطالب بالحرية والكرامة والعدالة، وكانت مطالبها حقيقية ومشروعة. لكن القوى الدولية والإقليمية دخلت على خط هذه التحولات، وفي بلدان عدة تحولت الانتفاضات إلى حروب وانقسامات وتدخلات خارجية، وانتهى الأمر في حالات كثيرة إلى إضعاف الدولة نفسها.
وهنا يبرز سؤال لا يمكن تجاهله:
هل كان المطلوب أن تصبح الدول العربية أكثر حرية وقوة واستقلالاً، أم أن النتيجة التي استفادت منها بعض القوى كانت دولاً أضعف وأكثر قابلية للتدخل؟
لا يعني ذلك أن كل ما جرى كان مؤامرة، ولا يلغي مسؤولية الأنظمة العربية عن الاستبداد والفساد والقمع. لكنه يعني أن علينا أن نقرأ أيضاً مصالح القوى التي تدخلت في مسار الأحداث. فالحرية من دون دولة قوية قد تتحول إلى فراغ، والفراغ سرعان ما تملؤه القوى الخارجية.
إسرائيل وسوريا الجديدة، هنا تبدأ القضية الأكثر حساسية.
إسرائيل تقول إن عملياتها داخل سوريا مرتبطة بأمنها ومنع قيام تهديدات عسكرية على حدودها. لكن استمرار الضربات بعد سقوط النظام السابق يطرح سؤالاً أكبر:
إذا انتهى النظام الذي كانت إسرائيل تعتبره عدواً أو حليفاً لإيران، فلماذا تستمر الضربات؟
الجواب الإسرائيلي يرتبط بالتهديدات الأمنية، لكن قراءة المشهد على المدى الأوسع تشير إلى أن إسرائيل تريد أيضاً التأثير في شكل الدولة السورية الجديدة وقدراتها العسكرية وترتيباتها الأمنية. فإسرائيل لا تحتاج إلى احتلال سوريا حتى تحقق أهدافاً استراتيجية. يكفي أن تمنعها من بناء جيش قوي، وأن تحتفظ بحرية العمل العسكري في أجوائها وأراضيها، وأن تفرض خطوطاً أمنية داخل سوريا، وأن تمنع دمشق من إقامة ترتيبات عسكرية تراها إسرائيل غير مقبولة.
وهنا تكمن خطورة المسألة:
هل تحررت سوريا من نظام مستبد لكي تجد نفسها أمام واقع جديد تصبح فيه إسرائيل صاحبة الكلمة في تحديد حجم الجيش السوري ومواقع انتشاره وتحالفاته؟
ما وراء أبو الظهور
الضربة الأخيرة لا تبدو مجرد عملية عسكرية عابرة. فالقاعدة المستهدفة تقع في شمال غرب سوريا، والضربة جاءت في وقت يتزايد فيه التعاون العسكري بين دمشق وأنقرة. وقد نفت دمشق وجود خطة لإنشاء قاعدة تركية، فيما أكدت تركيا أن تحركاتها العسكرية في سوريا تأتي في إطار التعاون مع الدولة السورية.
وهنا تكشف الضربة شيئاً مهماً:
إسرائيل لا تراقب فقط ما يمكن أن تفعله سوريا، وإنما تراقب أيضاً من تتعاون معه سوريا. وهذا يعني أن القضية لم تعد مرتبطة فقط بالسلاح الإيراني أو حزب الله، وهي الحجج التي استخدمتها إسرائيل طويلاً لتبرير عملياتها في سوريا.
إنها تتعلق أيضاً بسؤال:
من سيساعد سوريا على بناء قوتها؟
وهنا تدخل تركيا بقوة.
حدود الخلاف بين تركيا وإسرائيل ليس من الدقة وصف ما يحدث بأنه مجرد «تصفية حسابات» بين تركيا وإسرائيل. الخلاف أعمق.
تركيا تريد سوريا مستقرة وموحدة، ولديها مصالح أمنية واقتصادية وعسكرية كبيرة في مستقبلها. كما أنها تريد دوراً في إعادة بناء مؤسسات الدولة السورية. أما إسرائيل فتراقب تنامي الدور التركي بقلق، خصوصاً إذا تحول إلى وجود عسكري طويل الأمد أو إلى شراكة استراتيجية تساعد دمشق على إعادة بناء قدراتها.
لذلك أصبحت سوريا نقطة التقاء مشروعين إقليميين مختلفين. تركيا تريد أن تساعد سوريا على بناء قدراتها، وإسرائيل تريد وضع حدود لهذه العملية.
لكن هل يعني ذلك أن تركيا وإسرائيل ذاهبتان إلى حرب؟
ليس بالضرورة. فكلاهما يدرك أن مواجهة مباشرة ستكون شديدة الخطورة، وواشنطن تضغط لمنع مثل هذا السيناريو.
إذن، حدود الخلاف واضحة حتى الآن: صراع على النفوذ والترتيبات الأمنية ومستقبل سوريا، وليس حرباً تركية–إسرائيلية شاملة.
لكن الخط الفاصل قد يصبح هشاً إذا واصلت إسرائيل ضرب مواقع ترتبط بالتعاون التركي–السوري.
من يوقف إسرائيل؟
هذا هو السؤال الأصعب.
الإدانة العربية والدولية وحدها لم توقف إسرائيل في السابق، ومن الصعب أن توقفها الآن.
وتركيا، رغم قوتها ونفوذها، لا تبدو راغبة في مواجهة عسكرية مباشرة. وسوريا نفسها لا تمتلك في هذه المرحلة القدرة على خوض حرب تقليدية متكافئة مع إسرائيل.
إذن، من يستطيع وقف إسرائيل؟
الطرف الأكثر قدرة على التأثير هو الولايات المتحدة.
فواشنطن تملك نفوذاً واسعاً على إسرائيل، وفي الوقت نفسه تربطها علاقة استراتيجية بتركيا. ولذلك فإن الموقف الأمريكي سيكون حاسماً في تحديد ما إذا كانت الضربات الإسرائيلية ستبقى محدودة أم تتحول إلى سياسة دائمة.
أما الدول الأوروبية، التي تتحدث عن دعم سوريا الجديدة، فعليها أن تجيب عن سؤال واضح:
كيف يمكن بناء دولة سورية مستقرة بينما تستمر الضربات على بنيتها العسكرية؟
لا يكفي الحديث عن إعادة الإعمار والاستقرار إذا بقيت سوريا عرضة للضربات كلما حاولت إعادة بناء قدراتها.
الخطر الأكبر: جر سوريا إلى حرب أخرى. لكن ربما لا يكون الخطر الأكبر هو الضربات الإسرائيلية المباشرة. الخطر الأخطر هو جرّ سوريا إلى حرب مع حزب الله داخل لبنان.
من حق سوريا أن تحمي حدودها، وأن تمنع تهريب السلاح، وأن تفرض سيادة الدولة على أراضيها. لكن تحويل الجيش السوري إلى طرف رئيسي في حرب مفتوحة داخل لبنان سيكون أمراً مختلفاً تماماً. فإذا دخلت سوريا حرباً واسعة مع حزب الله، فإنها قد تجد نفسها أمام حرب طويلة تستنزف جيشها واقتصادها، بينما تبقى إسرائيل قادرة على ضربها من جهة أخرى.
وقد تتسع الحرب سريعاً:
سوريا تواجه حزب الله، وإسرائيل تضرب سوريا بحجة ملاحقة الحزب، والحزب يرد، وتتدخل أطراف إقليمية، ثم تتحول سوريا إلى ساحة حرب جديدة.
وهنا يكون السؤال:
هل المطلوب أن تبني سوريا دولتها، أم أن تدخل حرب الآخرين قبل أن تنتهي من بناء نفسها؟
إن جر سوريا إلى هذه الحرب سيكون خطأ استراتيجياً بالغ الخطورة. فسوريا التي خرجت من حرب طويلة تحتاج إلى السلام وإعادة البناء، لا إلى استنزاف جديد.
هل تستطيع سوريا الرد على إسرائيل؟
في الظروف الحالية، من الصعب على سوريا أن تدخل حرباً مفتوحة مع إسرائيل. وهذا ليس ضعفاً دائماً، بل نتيجة طبيعية لمرحلة انتقالية ما زالت فيها الدولة تعيد بناء مؤسساتها العسكرية والأمنية. لكن الرد لا يعني بالضرورة حرباً شاملة.
الرد الحقيقي يبدأ من بناء القوة:
جيش وطني قوي، دفاع جوي فعال، حدود تحت سيطرة الدولة، مؤسسات موحدة، اقتصاد قادر على الصمود، وعلاقات استراتيجية متوازنة مع تركيا والدول العربية والمجتمع الدولي. عندها فقط تستطيع سوريا أن تنتقل من مرحلة تلقي الضربات إلى مرحلة الردع.
فالهدف ليس أن تدخل سوريا حرباً مع إسرائيل اليوم.
الهدف أن تصل إلى اليوم الذي تعرف فيه إسرائيل أن ضرب سوريا لن يكون أمراً بلا ثمن.
الجبهة الداخلية أولاً، لكن لا ينبغي لسوريا الجديدة أن تنسى أن مواجهة التحديات الخارجية تبدأ من الداخل.
فالدولة التي تريد أن تكون قوية في مواجهة الآخرين، عليها أولاً أن تستوعب جميع أبنائها، بمختلف انتماءاتهم ومناطقهم ومكوناتهم، وأن تنهي مظاهر الظلم والإقصاء، وتحقق العدالة الانتقالية، وتحاسب المسؤولين عن الانتهاكات وفق القانون، بعيداً عن الانتقام والثأر.
إن تحقيق المصالحة الوطنية وترسيخ العدالة وبناء مؤسسات يشعر جميع السوريين بأنها تمثلهم وتحمي حقوقهم، ليس ترفاً سياسياً، بل هو جزء أساسي من الأمن القومي السوري.
فالجبهة الداخلية المتماسكة هي السند الحقيقي للدولة عندما تواجه الضغوط الخارجية.
سوريا التي تريد مواجهة العدوان وحماية سيادتها تحتاج إلى أن تكون قوية في الداخل قبل أن تكون قوية في الخارج.
وكلما شعر المواطن السوري بأن دولته تحميه وتصون كرامته وحقوقه، أصبح أكثر استعداداً للدفاع عنها في مواجهة أي تهديد خارجي.
سوريا بين الاستقلال والتبعية
وهنا نعود إلى السؤال الذي بدأنا منه.
إذا كان سقوط النظام السابق قد فتح الباب أمام الحرية، فإن الحرية الحقيقية لا تكتمل إلا بالسيادة.
لا يكفي أن يتغير الحاكم إذا بقي القرار الوطني في الخارج. ولا يكفي أن تنتهي الدكتاتورية إذا أصبحت البلاد ساحة مفتوحة للجيوش الأجنبية. ولا يكفي أن تتحدث سوريا عن الديمقراطية إذا لم تكن قادرة على حماية حدودها وأجوائها.
الدولة الحرة هي الدولة التي يملك شعبها قرارها. وهذا هو التحدي الحقيقي أمام سوريا الجديدة. ليس المطلوب العودة إلى الاستبداد. وليس المطلوب الدخول في حرب مع إسرائيل أو حزب الله أو أي طرف آخر لمجرد إثبات القوة.
المطلوب أن تبني سوريا دولة قوية ومستقلة، وأن ترفض أن تكون أداة في حروب الآخرين.
الخلاصة
سوريا لم تخرج بعد من دائرة الخطر. لقد سقط نظام الأسد، لكن الصراع على سوريا لم يسقط معه.
وإسرائيل لن تتوقف عن محاولة فرض رؤيتها الأمنية على سوريا ما لم تواجه معادلة جديدة تجعل استمرار ذلك مكلفاً.
وتركيا لن تقبل بسهولة أن تتحول سوريا إلى منطقة نفوذ إسرائيلي، لكنها في الوقت نفسه لا تريد حرباً مباشرة مع إسرائيل.
وأمريكا تحاول إدارة هذا التنافس ومنع انفجاره، لكن المطلوب منها أكثر من إدارة الأزمة: المطلوب أن تستخدم نفوذها لمنع تقويض الدولة السورية الجديدة.
أما سوريا نفسها، فعليها أن تكون أكثر حذراً من أي وقت مضى.
أخطر ما يمكن أن يحدث لسوريا ليس فقط أن تتعرض للعدوان، وإنما أن تُستدرج إلى حرب تستنزفها وتمنعها من بناء الدولة.
فقد يكون الهدف النهائي لبعض هذه الضغوط ألا تصبح سوريا دولة قوية قادرة على الدفاع عن نفسها، بل دولة ضعيفة منشغلة دائماً بأزمة جديدة.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست فقط:
هل تستطيع سوريا الرد على إسرائيل؟
بل:
هل تستطيع سوريا أن تمنع الآخرين من جرّها إلى الحرب، وفي الوقت نفسه تبني القوة التي تحمي بها استقلالها وسيادتها؟
هذه هي المعركة الحقيقية على سوريا الجديدة.
