الثلاثاء. فبراير 7th, 2023

صبرين العجرودي: باحثة في علم الإجتماع

تختلف استراتيجيات الدول وأهدافها وفقا لعديد المتغيرات التي على رأسها المصالح التي تسعى لتحقيقها  في مختلف المجالات في الصعيد الداخلي والخارجي، ومن ثمّ وفقا لطبيعة الدول الاخرى التي تربطها معها علاقات، بحيث تُصنّف هذه الدول إما الى قوية ومتقدّمة أو قوى عالمية أو دول نامية وفقيرة، وبناءً على هذه المتغيرات تصيغ الدول استراتيجياتها وخططها، فإذا كانت تتعامل مع دول قوية بهدف تحقيق غاياتها ستسعى حتما لصياغة استراتيجيات تكون أكثر قوة وذلك في إطار تحقيق المصالح المشتركة.

واذا ما كانت تتعامل مع دول نامية أو ضعيفة فإنّه من المستبعد ان تتمكّن من صياغة استراتيجيات تتمكّن من خلالها من مواجهة القوى العالمية الكبرى، وبالتالي فإنّها ستكون إمّا امام خيار تجميع الجهود لتحقيق المنفعة المشتركة، أو انها ستسعى لتحقيق اهدافها ومصالحها الخاصة على حساب مصالح الدول الضعيفة.

تتصدّر الصين اليوم مرتبة عالمية هامّة وتسعى جاهدة الى الظهور كقوة عالمية كبرى وهي فعلا أصبحت القوى العالمية الكبرى المسيطرة، فقد تفوّقت على الولايات المتحدة الامريكية في مجالات عديدة، ويعتبر انفتاحها على الدول العربية جزءً كبيرا من استراتيجيتها نحو الصعود وتحقيق المصالح المشتركة، فقد كانت فترة اواخر السبعينات نقطة مفصلية بالنسبة للصين، حيث قامت بتعديلات واصلاحات اقتصادية عميقة ساهمت في نموّها بشكل متسارع، ورغم ذلك فإنّها واجهت الكثير من العراقيل في مسارها فكانت أهمّ هذه الصعوبات هي الحصول على الطاقة وعلى أسواق خارجية لبيع منتجاتها، دفعها ذلك الى التفكير في الانفتاح على المستوى الخارجي خاصّة وأنها تطمح الى ممارسة دور قيادي وريادي على مختلف المستويات الاقليمية والعالمية.

علاقات متنوعة في شتى المجالات

تعتبر المنطقة العربية منطقة جيوستراتيجية غنية بالموارد الطبيعية، ذلك الى جانب اسواقها المهمة، لذلك فهي تحتل مرتبة مهمة ضمن الاستراتيجية الصينية.يُذكر أنّ الصين كانت تعتمد سياسة مختلفة تماما عن التي  تعتمدها اليوم ولكن مع تغير اقتصادها وتطوّره برزت لها صعوبات عديدة منها حاجتها الى الموارد الطبيعية كالطاقة والنفط والغاز الطبيعي واسواق خارجية.

لكن جانب العلاقات الصينية العربية لم يقتصر على البعد الطاقي او التبادلات الخارجية، وانما شملت استراتيجيتها في علاقتها بالدول العربية ابعادً مختلفة، كالتنمية المشتركة والتعاون الفني، القيام بعقد شراكات استراتيجية مختلفة، ومبادرات اقتصادية اخرى كانت أهمّها مشروع الحزام والطريق الهادف الى توسيع نطاق العلاقات بين الطرفين باعتماد مشاريع تنموية ونقاط وصل (سكك حديدية، بنى تحتية…).

وبناءً على ذلك، يمكن القول أنّ النهج الصيني في ربط العلاقات بالدول العربية مختلف تماما عن السياسة الغربية، اذا انّ الصين تسعى لبناء علاقات مرتكزة على المصالح المشتركة لا سيّما تلك التي تسعى الى التنمية الاقتصادية باعتمادها وسائل سلمية غير مبنية على القوة العسكرية او اساليب الاستعمار الجديد.

وبذلك تحتل الصين مرتبة أكبر شريك تجاري للدول العربية بحجم تبادل تجاري ناهز 330 مليار دولار أمريكي خلال عام 2021 بعد ان كان سوى 36.7 مليار دولار عام 2004 وهو ما يحيل الى تضاعفه بما يقارب عشر مرات خلال 17 عام.

وتعتمد الصين بصفة كبيرة على الدول العربية لتلبية احتياجاتها من الطاقة، اذ تستورد منها نصف ما تحتاجه من النفط وتتصدّر كل من السعودية، العراق، عمان، الكويت والامارات قائمة اكثر الدول العربية الموردة للنفط من اصل عشر دول، بينما السعودية تعتبر أكبر مصدَر لواردات الصين من النفط بنسبة 17.4% من اجمالي وارداتها من النفط خلال العام الفارط.

وبعد ان كانت استثمارات الصين في الدول العربية 196.9 مليار دولار في الاشهر الاخيرة من عام 2020، سجّلت ارتفاعا في عام 2021 بنسبة 9% لتبلغ 213.9 مليار دولار.

تولي الصين اهتماما كبيرا لشفافية استراتيجيتها اتجاه الدول العربية مشكّلة علاقاتها معها ضمن خطط اقتصادية وتنموية واضحة تركّز على مجال الطاقة والبنى التحتية وليونة الاستثمار والتجارة كعنصرين اساسين من الضروري تسهيلهما حتى يتم تحقيق النمو الاقتصادي، اما العناصر الاخرى فهي تتراوح الطاقة النووية والفضاء والاقمار الصناعية والطاقة الجديدة. كما تسعى الصين الى ايجاد حلول للمشاكل التي من شأنها أن تشكّل حاجزا بينها وبين تمتين العلاقات مع الدول العربية وتحقيق المنافع المشتركة المراد تحقيقها، لذلك فهي لا تتدخّل في الشأن الداخلي لهذه الدول، وتعتمد على الحلول السلمية واعتماد الوسائل الغير عسكرية لحل النزاعات التي تقف في طريقها في علاقتها مع الدول العربية لذلك كانت سبّاقة في تقديم مقترحات بشأن مسألة الامن والاستقرار في الشرق الاوسط.

لا شكّ أن هذا التقارب الكبير  بين الصين والعرب لم يثر اعجاب الولايات المتحدة الامريكية دائمة التخوف من الصعود الصيني، وخصوصا اذا ما تعلّق الامر بتمتين علاقات مع الدول الخليجية خاصّة اذا ما تعلّق الامر بالسعودية.

استراتيجيّة “الحزام و الطّريق”

تسعى الصين لتحقيق مزيد من الازدهارالاقتصادي للبروز كقوّة عالميّة عظمى، تُعتبرُ مبادرة “الحزام و الطريق” من الاستراتيجيات الهامّة التّي تبذل الصّين كل ما في وسعها لتحقيقها لما لها من تأثيرات إيجابيّة قي تحقيق اهدافها،  وقد انطلقت فكرة إحياء مشروع طريق الحرير الجديد منذ عام 2013 وأطلق على هذا الإسم “الحزام و الطريق”.

ويُعتبرُ هذا المشروع منطلقا للانفتاحالاقتصادي الصّيني مع الاقتصاد الدّولي وذلك من خلال القيام بشبكة طرقات للتنّقل قصد تعزيز  العلاقات التّجاريّة وتوسيع مجال التّعاون بين البلدان المشاركة فيه.

ويضمُّ مشروع  “حزام واحد .. طريق واحد ” 126 دولة حيث تمّ في الغرض توقيع 173 وثيقة تعاون ويناهز قيمة إجمالي التّجارة بين الصّين والدّول المشاركة في المشروع 6 تريليونات دولار.

وتعود التّسمية “حزام واحد … طريق واحد ” إلى كون المشروع يرتكز على بناء ممرّات بحرية وطرق برّية واستبدال الطّرق التقليدية  لتسهيل التّعاملات التّجارية والاستثمارات فضلاعن ربط الاقتصاد الصّيني بالاقتصادات الأخرى وهو ما يساعدها تحديدا في الوصول إلى أسواق جديدة، اتساع نفوذها الجيوسياسي، زيادة استثماراتها الخارجية ويؤدي كلّ ذلك إلى تحقيق نمو اقتصادي مستدام.

وقد جاء التّركيز الصّيني من اجل تحقيق هذا المشروع على منطقة الشّرق الأوسط بالتّحديد نظرا لموقعهاالاستراتيجي بين الثلاث قارّات : آسيا، أوروبا، إفريقيا حيث تسعى المبادرة للجمع فيما بينها.
 تُعتبرُ هذه الاستراتيجية من أضخم المبادرات حيث انّها على خلاف المجال الاقتصادي تشمل عدّة مجالات اخرى كالمجال العسكري والسّياسي والديبلوماسي  والتكنولوجي.

الجانب العسكري و استراتيجيّة “عقد اللؤلؤ” :

تركيز جملة من القواعد البحرية من خلال السيطرة على عدد من الموانئ والمرافئ والقواعد العسكرية تُمكّنها من ذلك العلاقات التّي تبنيها مع دول الجوار، و تمتد هذه المنشآت من المجال الجغرافي المحيط بها وصولا إلى المناطق المعنيّة بإنتاج الطّاقة في الشّرق الأوسط.

الجانب التّكنولوجي :

يعتبر هذا الجانب فريدا من نوعه، كونه قائم على توظيف التّطور التّكنولوجي في شبكة الطّرقات الرّابطة بين الدّول المشاركة في المشروع  وذلك من خلال ” طريق الحرير الرّقمي ” الذي يقوم باستخدام القطاعات الرّقمية والاتصالاتو بناء بنية تحتية خاصة بالأنترنت و التّجارة الإلكترونية.

تُساهم هذه الاستراتيجية  التّكنولوجية في إضفاء سمة جديدة على الأسواق التّجارية للدول المتعاملة  مع الصّين وتوفّر لها فرصة هامّة في نمو التّجارة الإلكترونية.

كما ترى الصّين أنّ مبادرة “الحزام و الطّريق” ستعود بالمنفعة على جميع الأطراف الدّاخلة في المشروع، إذ انّها ستعزّز الوحدة الاقتصادية بين مختلف الأقاليم الإفريقيّة، وقد استشرفت  دراسة كانت قد قامتلجنة الأمم المتّحدة الاقتصادية لإفريقيا بتمويلها، أنّ مشاريع البرنامج الصّيني سيساهم في ترفيع صادرات شرق إفريقيا إلى ما يُناهز 192مليون دولار سنويا .

والجدير بالذّكر، أنّ التّعامل بين الصّين والقارة الإفريقيّة ليس فكرة برزت مع السّعي لتحقيق هذا المشروع، فالعلاقات بينهما قديمة والتّعاملات التّجارية ليست بالجديدة على الطّرفين، لكن مشاركة إفريقيا ستعزّز التّحالف مع الصّين وستساهم بقدر كبير في تحقيق الاستفادة لها نظرا لموقعها في منطقة بحريّة وهو ما سيدعّم المشروع والحضور الصّيني في المنطقة.

من جهة اخرى، لا تركّز الصّين على الجانب الإقتصادي فقط في تعاملها مع القارة الإفريقية، إذ لا يمكنّها ذلك من تحقيق اهدافها بالشكل الذّي تحبّذه نظرا لعدم استقرار الوضع الأمني في المنطقة  ويعتبر عقبة أمام تنفيذ مشاريعها، لذلك فإنّ الصين تعتمد على الجانب العسكري لحماية مصالحها، وبالتّالي فإنّ الخطّة الصّينية تعتمد على جانبين رئيسيين تنعدم الأولى بانعدام الثاّنية وهما الجانب الاقتصادي الذي يحميه ويضمن حسن سيره الجانب العسكري، فعلى رغم ما تملكه إفريقيا من ثروات وموارد حيويّة إلاّ أنّ أوضاعها لا تسمح بجذب الاستثمارات والمشاريع ما لم يتمّ توفير حماية لها.

في هذا الاطار يعتمد مشروع “طريق واحد … حزام واحد ” على شمال إفريقيا وتتعدّد مجالات التّعامل مع هذه المنطقة لتشمل الجانب الاقتصادي والثقافي والدّيبلوماسي والدّفاعي .

By admin