الخميس. أغسطس 11th, 2022

إعداد: عادل الحبلاني/باحث بالمركز الدولي للدراسات الاستراتيجة

إشراف: الدكتورة  بدرة قعلول

هل انتهى عصر البيترودولار وستعيش الإنسانية السلام؟

رغم الإرهاصات الأولى لمحاولات فك الارتباط بالدولار كقيمة تجارية وعملة يتم من خلالها تحديد أسعار النفط والعمليات التجارية لهذه المادة، إلا أن هذه الأخيرة ظلت عمليات مترددة على الرغم من ثقل هذا الارتباط على اقتصادات العديد من الدول وتبعيتها كمنتج ومصدر للنفط، لسياسات واشنطن وعملة الدولار كمحدد أساسي في سوق النفط والغاز.

 لكن اليوم وتزامنا مع العودة الروسية الصينية على الساحة الدولية، بالإضافة إلى العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا التي ألقت بظلالها على مجال الطاقة من نفط وغاز وقمح، أصبح الحديث عن فك الارتباط  دول البترودولار من هيمنة دول الدولار عليها، أمرا أكثر طرحا ووجاهة من ذي قبل على  صعيد السياسات الجديدة التي ارتسمت وأصبحت تحدد ملامح عالم جديد ينذر بنهاية حتمية لمنطق القطبية الأحادية ويأثث لعديد الأقطاب.

ولعل فشل حزمة  العقوبات التي وجهها الغرب ضد روسيا تأكد تباعا أن قوى الهيمنة والضغط قد فقدت تلك القوة التي كانت تحرك واقع العلاقات الدولية وتدعم منطق الهيمنة الأحادي الجانب، وتأكد تباعا تراجع هيمنة الدولار على قطاع الطاقة من نفط وغاز، فدول البيترول خاصة قد نفذ صبرها من الغطرسة الأمريكية والهيمنة المذلة والتآمر عليها فوجدت فرصتها التاريخية من أجل ف الارتباط  وإنقاذ نفسها.

حيث جاءت النتائج عكسية سيما بعد اشتراط روسيا بيع النفط والغاز بالروبل الروسي، ناهيك الحلف او المحور الخليجي الشرق أوسطي الذي خلقته المملكة العربية السعودية والتي أظهرته في الزيارة الأخيرة للرئيس الأمريكي مؤخرا للمملكة العربية السعودية و كذلك الصفعة التي أعطتها السعودية عند تقاربها من العدو اللدود لأمريكا وهنا نتحدث عن التقارب السعودي الصيني وطروحات بيع النفط السعودي باليان.

فما المقصود بالترودولار ؟

هل من الممكن الحديث عن فك الارتباط أو على الأقل عدم اعتماد الدولار كمحدد وحيد في مجال النفط ؟

يعود مفهوم البترودولار إلي سنة 1973 عندما أطلقه ابراهيم عيسى الاستاذ المحاضر بالجامعة الأمريكية  ووزير التجارة الأمريكي الأسبق جي بيترسون، والذي يعني الفوائض المالية للنفط بعملة الدولار الأمريكي، ونعني بالفوائض كل ما يزيد عن الحاجات التنموية للدولة المنتجة والمصدرة للنفط، بمعنى آخر أن ما يزيد عن الحاجة للاستثمار الداخلي يتم ايداعه خاصة في سندات الخزانة الأمريكية  وفي الأسواق المالية الأخرى أو استثمارها في دول أخرى أو إنفاقها على الواردات ذات الطابع الاستهلاكي أو إمدادات البناء كما هو حال دول الخليج ولهذا تسمى دول الخليج دول البيترودولار.

وإذ ننطلق من هذا التعريف المقتضب، فإنه لا يمكن إنكار وربط السيطرة الأمريكية لعقود طويلة على السياسات العالمية ومجال الطاقة النفطية من خلال البترودولار، كما لا يمكن في المقابل انكار حجم التحولات العالمية الكبرى واستنهاض الاتحاد السفياني سابقا، روسيا الاتحادية اليوم، والتنين الصيني، اللذان غيرا ملامح العالم اليوم بعد مضي ما يزيد عن قرن من الهيمنة الأمريكية، ناهيك عن التغيرات التي طرأت على مواقف بعض الدول العربية وخاصة منها دول الخليج، التي تتجه اليوم إلى الشرق وخاصة الصين وتحاول فك الهيمنة والسيطرة الأمريكية منها بعد عقود من المعاناة.

هذه التغيرات التي يشهدها العالم اليوم وحجم التوترات بين روسيا والغرب وعلى رأسهم أمريكا، تجلت على جميع الأصعدة وخاصة منها المجال الطاقي من نفط وغاز، وغيرت منذ البداية الهيمنة العسكرية والتجارية والمالية التي حكمها الدولار كعملة تداول في المجال الطاقي.

 حيث نشهد اليوم إلى جانب الأزمة التي تعيشها أمريكا من الداخل، أزمة أخرى هي الأكثر ارباكا لواشنطن، وتتمثل هذه الأخيرة (الأزمة) في فك الارتباط بالدولار كمحدد أساسي ووحيد للنفط والغاز، حيث اثار قرار فلاديمير بوتين عدم قبول عملة الدولار واليورو لشراء الغاز الروسي واشترط على الدول الغير صديقة الروبل كعملة أساسية لبيع الغاز الروسي.

منج عن هذا القرار حالة من الفزع في الداخل الأوروبي وحالة من الريبة في السياسات المالية الأمريكية، وبشر بالمرور العملي والفعلي لفك الارتباط بالدولار بل وسقوطها على مستوى الطاقة وخاصة البيترول، وبدايات تقويض منطق البترودولار الذي دعم فكرة القطب الواحد وسيطر على اقتصاديات العالم بل وجعلها تابعة خاضعة تحت القيادة الأمريكية أي تحت “رحمة الدولار”.

ولعل الخطوات الحثيثة والثابتة التي انتهجتها روسيا بعد حزمة العقوبات التي عزم الغرب على المضي فيها، وقدرتها على تجاوز آثار هذه العقوبات بأن عرف اليورو انخفاض هو الأول منذ عشرين سنة، فتح الباب وأثار شهية العديد من الدول فك الارتباط من هيمنة الدولار، حيث يتأكد ذلك في التعامل الصيني السعودي باليان الصيني، بالإضافة إلى سعي روسيا الحصول على  مدفوعات بالدرهم الاماراتي مقابل صادراتها من نفط وغاز لبعض العملاء الهنود، وهذا الأمر يؤكد لا فقط فك الارتباط بالدولار بل الابتعاد عنه لتحصين الاقتصاد الروسي، حيث سددت شركتان هنديتان بعض المدفوعات بالدرهم الاماراتي، وليس هذا وحسب بل بدأت شركة النفط الروسية “روسنفت” في طلب السداد بالدرهم بدلا عن الدولار، وقد جاءت تباعا خطوة البنك المركزي الهندي كدعم لفكرة وقف العمل بالدولار من خلال الآلية التي قدمها لتسوية التجارة الدولية بالروبية.

وفي أعقاب الزيارة الأخيرة للرئيس الروسي إلى إيران تم الاتفاق نهائيا على التعامل بالريال الايراني والروبل الروسي في خطوة هي الأولى للبنك المركزي الايراني ويعتبر هذا الاتفاق صفعة اخرى للأوروبيين وخاصة للامريكان.

يبدو أن القول المأثور “مصائب قوم عند قوم فوائد” لقول له من الوجاهة وعابر للزمان والمكان، حيث تحولت العقوبات على روسيا إلى سلاح ضد الغرب، وأصبحت التحولات العالمية وتعدد الأقطاب أمرا واقعا، خاصة وأن الأمر لم يعد عسكريا ولا نوويا بقدر ما تحول إلى فك شفرة القطب الواحد وإسقاطه، وبالتالي فك الارتباط بسياساته الخارجية والتجارية والاقتصادية وخاصة منها المالية التي حددت السياسات الدولية لأكثر من قرن من الزمن وف الفترة القادمة سنشهد سقوطا مدويا للبترودولار، هذا السقوط الذي سينقذ البشرية من الامبريالية المتوحشة التي لا هم لها سوء إيذاء الإنسانية وضرب السلم الإنساني.

السلم الإنساني لن يكون إلا بسقوط هذا القطب المتوحش وسقوط آلياته المتعددة وأهمها البيترودولار.

By admin