مداخلة/ في اشكالية الخطاب الديني

Spread the love

صفـاء الدين صالح الفلكي باحث و ديبلوماسي عراقي

    أملنا كبير في  ان تتوصل هذه الندوة البحثية المميزة الى  افكار جديدة متنورة ,والى مقترحات عملية يمكن تبنيها  وتنفيذها على ارض الواقع.  فشكرا للمركز الدولي للدراسات الستراتيجية والامنية والعسكرية وا لى مكتبة الاسكندرية, على مبادرتهما  القيمة  باختيار هذا الموضوع الحيوي الجرئ الذي يمس حاضرنا ومستقبل اجيالنا وواقع امتنا العربية والاسلامية.

 لا شك ان مقتضيات البحث تستعدي الاحاطة  اولا  فهم الواقع الذي عليه مجتمعاتنا  العربية والظروف الصعبة ا لتي تمر بها, وسيسعادنا هذا الفهم على استقراء و تشخيص اسباب  نشوء الحاركات والجماعات  الاسلامية المتطرف ا جدا و  وكذلك غيرها من الجماعات الارهابية ذات التوجهات الطائفية , وكذلك تتطلب تفيصل بحث في اشكالية الخطاب الديني وعدم الدوار في الحلقات المفرغة وكما جرت عليه العادة سابقا حيث تنتهي بالوعض والارشاد وطرح مصطلحات مبهمة,  كما يتطلب ااقتراح البدائل التي  ترشدنا طريق الانتقال الى عصر التنوير  الفكري الاسلامي ,و كيفية التفاعل مع الحضارات الانسانية والتعايش السلمي  مع الاديان الاخرى, وتجاوز حالة الضياع  الفكري والحضاري التي نحن عليها الان, و وتقدير  ضرورة واهمية اللحاق بركب المبدعين ,  بعد ان مضى علينا دهرا مقلدين  السير وراءالاخرين .

 يعاني عالمنا العربي  من مشاكل وازمات عديدة , سياسية واقتصادية  واجتماعية وفكرية وامنية  وازمات اخرى يكثر الحديث بشا نها ,  لكنه يقل حول  موضوع مهم  اخر يتعلق بظاهرة الصراعات  الشديدة القائمة بين القيم السائدة في مجتمعاتنا ,ومنها ما يمس الدين والسلوك والاخلاق, وانظمة الحكم والمرأة والتشريع   وحتى الديمقراطية والانتخابات فنحن في حيرة من امرها.

 توضح  الدراسات الاجتماعية : بان تراكم  الازمات دون توفر امكانية  حلها و التغلب عليها ,بما يتوفر من قدرات  وامكانيات آنية ,يؤدي بالضرورة الى اشتداد  القلق الاجتماعي ,والى  ظاهرة تكتل وهياج الجمهور الاعتدا ئي الذي يتصف عادة بغياب العقل الواعي ويميل الى العنف وقد يؤدي الى تشكيل حركات  سياسية اوارهابية. كما انه يمكن ان  يقود الى  حدوث الثورات والفتن واحلال الدمار, وهذا ما نلاحظه  على ارض  الواقع فعلا بعض اقطارنا العربية.

كمااعتقد انه من الاهمية بمكان  التفكير مليا في كيفة التعامل مع الموروث الديني- البعيد عن جوهر الدين _السائد  في عقول  اوساط واسعة من  الناس ,لاسيما العامة منهم  وذلك لدوره  المؤثرفي تحديد السلوك وتحجيم حركة التقدم و يشكل حاضنة تحتمي بها الحركات الارهابية .

  ان من يتابع  الراي السائد  بين اوساط النخبة العربية , فانها تحمل الفكر الديني التقليدي  المتعصب  مسؤولية  العنف السائد,   وتحمله قسطا كبيرا من استمرا جمود المجتمعات العربية والاسلامية وعجزها عن اللحاق بعجلة  التطور والابداع التي تجاوزتنا بمسافات زمنية بعيدة. وفعلا وجدنا ان هناك من بين رجال الدين التقليديين من يعتقد( بان الله قد سخر  لنا  من يبدع وينتج من الشعوب الاخرى لنتفرغ نحن للعبادة).

  اما العامة من الناس  في علمنا العربي الإسلامي  فإنها الأشد تأثرا  بمثل هذا المستواى  التقليدي من رجال الدين , ولا غرابة في ذلك فان فقاعدتها الفكرية الموروثة تستند الى ما هو سائد من افكار دينية وعادات وتقاليد محلية , و هذا ما يسهل عملية  اثارتها وتسخيرها  وبما  قد  يخدم اويلبي مصالح   السياسيين و اغراضهم, وعادة ما تكون  المجتمعات الجامدة عونا للمتزمتين  العرقلين لعجلة التطور والتقدم في مجتمعاتهم . وهنا تبرز أهمية الدور الحيوي للمؤسسات والجامعات الدينية ورجال الدين المتنورين, ودورالتربية والتعليم، و الإعلام، ومؤسسات المجتمع المدني,  وجمعيات المرأة ,في تنوير العامة والمجتمع   ودورها في تحجيم  محاولات  تسخير اصوات العامة في عملية الانتخابات النيابية لصالح المتزمتين والفاسدين وغيرهم .وهذا ما يجري عادة في بعض بلداننا مع الاسف. كما انه من الاهمية بمكان العمل على استنهاض همة الشباب  وقدرات النخب العربية والاسلامية الواعية من  اجل قيادة عملية التنوير الديني والفكري والثقافي  وبما يؤدي  الى اشاعة  مفاهيم جديد في المجتمع ,وبتراكمها وبمرور الزمن ستصبح بدورها قاعدة للسلوك الفردي والاجتماعي  ,  ولا يعني ان عملية التنوير المقصودة يمكن ان تمس جوهر الدي الحنيف , بل  العكس تعني الحفاظ على قدسيتة وثوابته  وقيمه السمحاء , وابعاد ما ليس منه ولا من مقاصده  وبما يرضي الله ويسعد الانسان الذي كرمه الله تعالى.

 ان مما سيساعد على  انضاج عملية التنوير المنشودة في عالمنا العربي الاسلامي هو وجود  نخبة عريضة من  علماء الدين المتنورين الافاضل  خريجي الجامعات الرصينة , اضافة الى ما يزخر به عالمنا العربي  من كفاءات علمية في مختلف المجالات. وبتضافر الجهود وتوفر الارادة  وبالمثابرة المتواصلة وبتوفر المناخ  السياسي والظروف نكون قادرين على المساهمة  بتأدية  هذا الدور التنويري االرائد الذي سياخذ ابعاده وتاثيره  بمرور الزمن وسيتجاوز كل ما قد يقف في طريقه من عقبات ,واي كان مصدرها  ,وهذه سنة الحياة ,وسيشكل ذلك خدمة تاريخية ونهضوية  لشعوبنا ولامتنا العربية وللمسلمين جميعا.

ومن اجل المساهمة بافكار محددة قد تخدم عمل هذه الندوة البحثية الموقرة وعلى ضوء ما جاء في برنامجها من محاور اتقدم بما يلي:

 اولا-ان اشكالية الدين والعلم والسياسة والحكم والجهاد ومكانة المرأة  والتعايش مع الاديان والحضارات الاخرى  ليست  بالجديدة , ويمكن ان تكون مقولة  الامام علي بن ابي طالب  رضي الله  خير معبرعن ابعادها الحقيقة بقوله ( ان القران حمال اوجه ) . لا شك ان مقايسس عصرنا  هذا قد تغيرت  عما كانت عليه  وهي لا تقارن  من  حيث تقدمها  عن  ما مضى ,وعليه  لا ارى امامنا من  خيار عملي, سوى تبني دعوة الاصلاح الديني واعتماد قراءة جديدة لديننا الحنيف  يؤخذ فيها بالاعتبار ارجحية اعتماد العقل وروح العدل والمساواة  وقيم الخير والمحبة والتسامح, كما انه من المطلوب اعادة تعريف السنة النبوية وتنقيح روايات الحديث الشريف, واعادة توثيقه , لما  تعرض له  من تأويل  وتحريف واختلاقات لا يقبلها العقل , وهي كانت وما زالت سببا في اثارة الفرقة والفتن بين المسلمين, ولا يقصد  من وراء  هذه الدعوة  التي  هي ليست بالجديدة علينا , سوى اظهار الجوهر الحقيقي للاسلام الحنيف , وبما يرضي الله سبحانه وتعالى ويسعد الانسان الذي كرمه الله واذله عباده من المتسلطين  على مقدراته.

 ثانيا – التوصية باقامة مجلس اسلامي اعلى  للفقة والافتاء من  العلماء  المؤمنين بعملية التنوير الاسلامي ومن مختلف الدول الاسلامية,وان يكون مستقلا ولا يرتبط بدولة او جهة معينة .واعتقد ان تطور وسائط الاتصالات ووسائل الحصول على المعلومات , اضافة الى التطور العلمي والتكنولجي, كلها ستخدم امكانية نجاحه في مهمته, كما اعتقد بامكانية تمويله عن طريق المؤيدين لهذا التوجه من المسلمين ,  وسيكون لنجاحة اثار ايجابية عميقة التاثير تخدم  دعوة الاصلاح الديني ونهضتنا  الفكرية و تخدمة  الدعوة الاسلامية وسرعة انتشارها بين سكان المعمورة .

 ثالثا- وضع دراسة موضوعية لظاهرة الحركات الارهابية وسبل معالجتها بوسائل مختلفة بدلا من الاعتماد على الاجراءات الامنية فقط .فدوافعها وجذورها مختلفة فقد  يكون الدين غطاء  لدوافع  سياسية والاقتصادية  وطائفية  و بدوافع التدخلات الاجنبية. و اجد انه من المفيد الاسترشاد بالتجربة الجزائرية الرائدة في تعاملها مع تلك الجماعات .