الأثنين. نوفمبر 30th, 2020

اقتراح مقدم إلى مؤتمر معالجة الخطاب الديني
للتعايش السلمي ولمكافحة الفكر التكفيري

تونس 28-29 سبتمبر 2016

الغرض من هذا الاقتراح أن أشير من جانب المعالجة إلى ما يتعلق بالعنوان (4) وهو: “المقاربة التعليمية والثقافية: البرامج والمناهج التعليمية”.

أعتقد أن التكوين في مجال العلوم الإسلامية في المعاهد والجامعات الإسلامية التي يتخرج منها معظم المشتغلين بالخطاب الديني من الأئمة والأساتذة، والدعاة، تنقصه الثقافة العلمية بالمعنى الإصطلاحي للعلم، وفي مقدمتها الفيزياء والبيولوجيا، كما أنه لا يقع الاهتمام بدرجة كافية بعلوم الإنسان مثل علم الاجتماع وعلوم النفس والتربية.

وهذا الفصل الكبير بين العلوم الإسلامية وعلوم الإنسان والعلوم الدقيقة أدى إلى تكوين عقليتين مختلفتين، متنافرتين إن لم نقل متعاديتين وكما قال ابن باديس إن الذين يتلقون التعليم والثقافة عموما على الطريقة التقليدية يحسبون الذين يتلقون التعليم والثقافة على الطريقة الحديثة كفارا، كما تحسب النخبة الثانية أصحاب الثقافة التقليدية أحجارا.

وهذا الخلل في طرق التكوين أدى إلى ضيق النظر، وأخذ النصوص بحرفيتها، والاقتصار في تفسيرها على الناحية اللغوية البحتة، وليس لهم اطلاع كاف على العلوم الطبيعية فيقعون في أخطاء فادحة تؤدي إلى تضليل الناس، وما يزال بعضهم ينكر كروية الأرض، وينكر الوصول إلى القمر، والنزول على سطحه، وهو أمر مشاهد حسيا.

إن هذا الفصل الذي عزل الثقافة الإسلامية في العلوم الشرعية البحتة عن العلوم الأخرى في مجال التكوين أصبح كارثة تصيب كثيرا من العقول، بضيق النظر، والحرفية في كثير من الأحيان.

إن معالجة هذا النقص الفادح في طريق التكوين التربوي لا يمكن أن تتم إلا إذا أدخلنا في مناهج التعليم الديني الثانوي والعالي برامج علمية من الفيزياء والبيولوجيا وغيرها في جذع مشترك بالسنة الأولى الجامعية في الجامعات الإسلامية مما يكون قاعدة علمية ضرورية لتكوين المتخرجين الذين يخاطبون الناس خطابا دينيا مؤسسا على معطيات علمية دينية لا تتنافى مع المعطيات العلمية، مع مداخل ضرورية في علوم النفس والاجتماع والتربية، وتلزم الزوايا والمدارس الخاصة الدينية في برامجها بإدخال هذه الثقافة العلمية الضرورية.

وينبغي الاهتمام بالرياضيات والعلوم الدقيقة ابتداء من الابتدائي ليكون التكوين علميا موحدا.

وأنتم تعلمون أن الثقافة العلمية تنقص مجتمعاتنا، ومن الضروري نشر الثقافة العلمية على نطاق واسع، لتكون عنصرا مما يقرأه المواطن العربي المسلم.

ولا شك أن العقلية العلمية تتسع للتسامح وسعة النظر، وتنمي الروح النقدية التحليلية، وطريقة التفكير الإبداعي، لنتخلص من الاستظهار، وحشو الدماغ بمعلومات لا تلبث أن تذهب أدراج الرياح.

والعناية بتكوين الإمام تكوينا يجعله يخاطب الناس بما يفهمون، ويعالج مشاكل المجتمع الذي يعيش فيه بطريقة علمية تجمع بين علوم الإنسان وعلوم الشريعة وقاعدة ذلك معطيات ونتائج العلوم العامة، وليس معنى هذا أن يكون متخصصا في العلوم الدقيقة، وإنما المقصود أن يكون له إلمام بقوانين العلم، ودقة التحليل والتركيب، فيما يعالجه من مشكلات المجتمع.

By admin